محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٠ - الخطبة الأولى
إننا مدفوعون بمنطق العقل، ويَقَظَة الضمير، وصوت الوجدان، ولغة الفطرة أن نؤمن بخالقية ومالكية وربوبية الله سبحانه الوجود الحقّ، وأصل الوجود لكلّ شيء، والغنيّ بذاته، والفيّاض بالوجود.
وحينئذٍ فنحن عبيد تكويناً لا أحرار أمام مالكية الله وربوبيته. نعم نحن أحرار أمام كلّ شيء بَعْدَ عبوديتنا لله وحده.
ومن كان تنزُّل وجوده، ورزقه، وكلّ خيره من الله سبحانه، وكان تدبيره وقدره، ومصيره بيده، ومرجعه إليه- وهذا هو شأن كلِّ من خلق الله- فالعقل قاضٍ بأنَّ عليه ألا يخرج بإرادته في المساحة الاختيارية الموهوبة له من الله عن إرادة خالقه ومالكه. فكما نحن عبيدٌ لله تكويناً لابد أن نكون عبيده تشريعاً، فلا يكون لنا تشريع غير تشريعه، ولا خروجٌ عمليٌّ عمّا شرَّع، ولا موقفٌ على خلاف ما أمر، ونهى شرعه.
أيها الإنسان أكبر وأثمن ما فيك عقلك، وهو هاديك ودليلك في حياتك، وكلّ أمرك. سل نفسك هل هو هبتها لذاتها؟ ٥ سله ٦ هل هو هبة ذاته لذاته؟ هل أوجدته قدرة وإرادة من داخله؟ هل هو الذي وضع قواعد ونظام تفكيره؟ هل إذا بدأ التفكيرَ في قضية من القضايا يعلم ابتداءً إلى أين سينتهي بها تفكيره؟ هل هو الذي اختار بنفسه مقدار فهمه؟ هل يضمن ألّا تتحوّل أفكاره؟ ألّا يتحوّل مسار تفكيره؟ هل له من نفسه ما يضمن بقاءه؟ وهل قرر العدمُ يوماً أن يمنحك العقل، وهل قررت قدرة من داخل عقلك، وإرادة من داخل نفسك أن تهبك العقل؟
وإذا كان جوابك على كل هذه الأسئلة بالنفي، ولا أجدك وأنت تريد أن تعطي جواباً جادّاً من وحي عقلك تجيب بغيره ٧ فكيف لا تُذعن للعلي القدير الغني بذاته، ولا تعترف بالمملوكية والعبودية له؟! ٨