محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٣ - الخطبة الأولى
وتسأل الآية الثانية هذا السؤال مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فهل خُلِقَ الإنسان من شيء يُغريه بالاستكبار على الله، والاستعلاء على طاعته، وهل له بداية جليلة تُطمِعه أن يُدير بظهره إلى ربّه، وتُشعره بالأنفة من الاعتراف بربوبيته، والذُّلّ بين يديه، والخضوع إلى أمره ونهيه؟ ٤.
وهلّا يطرح الإنسان على نفسه هذا السؤال ليعرف قدره، ويتذكّر ضعفه أمام ربِّه؟! ويأتيه الجواب في الآية الثالثة مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ.
هذه هي البداية القريبة التي خُلِقَ منها الإنسان، نُطفةٌ ضئيلة حقيرة مَهينة تكاد تكون ضائعة، وكان يمكن أن تذهب في سيل ماء أو في أنجاس، أو خُرقةٍ تافهة فلا تُذكر ٥، ولا يكون لها شأن كبير ولا صغير على الإطلاق. وكيف بِمَن كان كذلك يبطَر ويفخَر، ويكفُر ويستعلي ويستكبر على مَنْ أخرجه من الظلمة إلى النور، ومن الضمور إلى الظهور، ومن الضياع إلى الوجود، والموت إلى الحياة؟!
وبرغم أنَّ هذه هي بداية الإنسان فقد جاء بِقُدرة الله وعلمه وحكمته مخلوقاً قويماً موزوناً وزناً دقيقاً متناسباً تناسُباً عجيباً لا يخرج في خلقِه عن حدّه الذي حدّه الله به، وعن نصيبه من القِوى والمواهب والاستعدادات التي كَتَبَها له، وعن أجله الذي أجَّله لحياته.
وإذا بنا نجد النُّطفة القذِرة إنساناً سويّاً، وعقلًا موهوباً، وقلباً وعِيّاً، ونفساً متشوِّفة، ومشاعر رقيقة دفّاقة، وأفكاراً نافذة، وأشواقاً جميلة، ومُركّباً بدنياً جذّاباً، ووجوداً معنويّاً أخّاذاً ٦.