محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧١ - الخطبة الأولى
حياتنا الدنيا خليط من حلوٍ ومرٍّ، من يسر وعسر، من لذّة وألم، من طرق مفتوحة، وأخرى مغلقة، من ظروف سانحة، وظروف صعبة، وأجواء مريحة وأجواء مزعجة ٣. من بين ما في الحياة مرض وفقر وكوارث طبيعية وشدائد وحروب. فيها ما يغريك، وفيها ما يؤذيك؛ وكلّ ذلك بوزن وتقدير، يجعل من الحياة معادلة تشدّك إليها، وتمتحن إرادتك فيها. وما قُدّر للحياة إلا أن تكون كذلك لأنها ليست للبقاء في حين أنها لم تخلق جزافاً ولا عبثاً ٤. إنها المرحلة الوحيدة من بين المراحل الوجودية المتعددة في رحلة الإنسان التي يواجه فيها مسؤولية صنع المصير، واختيار نوع المستقبل الذي يُقدِم عليه بعد هذه الحياة.
إنّها المرحلة الوحيدة التي تُمثِّل دورة إعداد تربوي يتحمل مسؤوليته الإنسان تهيؤاً لمستقبل وجوده غير المنقطع، وهي مرحلة مصيرية لا تتكرّر. ومن هنا تكتسب هذه المرحلة أهميتها البالغة على محدوديتها ٥.
فعمر التكليف في هذه الحياة الذي يبدأ بسن البلوغ، وقد ينتهي قبل يوم الوفاة بزمن طويل لسقوط الأهلية للخطاب التكليفي، هو الذي يحدّد نوع المستقبل الذي سيحتضن وجود الإنسان ليعيش السعادة أو الشقاء اللذين لم يجد لهما مثيلًا من قبل ٦.
وإذا كانت النتيجة سعادة فهي أبدية، وإذا كانت شقاء، فهو أبدي، وإذا لم يكن أبديّاً فمن عمره أن يكون ملايين، وبلايين سنين مما يعد النّاس في هذه الحياة ٧.