تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤١٤ - العفو بعد الانتصار
و بساتينهم بأيديهم، على أن يكون له نصف محاصيلها سنويا.
بل إن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- كما يروي ابن هشام- هو الذي اقترح هذا الأمر على اليهود، و ترك لهم حرية التصرف في مزارعهم و أراضيهم ليغرسوا أو يزرعوا ما يريدون من الشجر [١].
(١) لقد كان في مقدور النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كأيّ فاتح آخر، أن يريق دمهم جميعا، أو أن يجليهم برمتهم من أراضيهم، أو يجبرهم على اعتناق الاسلام، و لكنّه- خلافا لتصور زمرة مغرضة من المستشرقين، و طلائع الاستعمار الثقافي الذين يتصوّرون و يزعمون بأن الاسلام دين القهر و القوة، و ان المسلمين أجبروا الامم و الأقوام المغلوبة على ترك عقائدها، و اعتناق الاسلام لم يفعل مثل هذا العمل قط، بل تركهم أحرارا في ممارسة شعائرهم، و البقاء على ما كانوا يعتقدونه من اصول دينهم و فروعه.
(٢) و لم يحارب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه يهود «خيبر» إلّا لأنّ «خيبر» قد تحوّلت إلى بؤرة خطرة للمؤامرة، و الكيد بالاسلام و المسلمين، فقد كانوا يمدّون المشركين بكل ما يريدون للقضاء على الحكومة الاسلامية الحديثة التأسيس، و لهذا اضطر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى مقاتلتهم، و تجريدهم من أسلحتهم، حتى يعيشوا تحت ظل الحكومة الاسلامية بمنتهى الحرية، و يشتغلوا بمشاغلهم في الزراعة، و يقيموا شعائرهم الدينية من دون أن يجدوا فرصة للمشاغبة و التآمر ضدّ رسالة التوحيد الكبرى، اذ كانوا يسببون مشاكل كبيرة للمسلمين- في غير هذه الصورة- و يمنعون من تقدّم الاسلام و انتشاره.
(٣) و أما الجزية [٢] فقد كان لقاء دفاع الحكومة الاسلامية عنهم، و حمايتهم من الأعداء، و توفير الأمن لهم، إذ كان حماية أموالهم و أنفسهم من وظائف المسلمين.
ثم ان المحاسبة الدقيقة تقودنا إلى أن ما كان يدفعه المسلمون إلى الحكومة
[١] السيرة النبوية: ج ٢ ص ٣٣٧.
[٢] الجزية ما يؤخذ من أهل الذمّة.