تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٠ - خطة أخرى للقضاء على الحكومة الاسلامية
الفرقة في صفوف المسلمين.
(١) فقد رأى دهاة اليهود و ساستهم أن يستغلّوا رواسب الاختلافات، و يؤججوا نيران العداء القديم بين الأوس و الخزرج الذي زال بفضل الاسلام، و بفضل ما أرساه من قواعد الاخوة و المساواة و المواساة و المحبة، بعد أن كانت مشتعلة طوال مائة و عشرين عاما متوالية، ليستطيعوا بهذه الطريقة تمزيق صفوف المسلمين بإثارة الحروب الداخلية بينهم، و التي من شأنها ابتلاع الاخضر و اليابس و القضاء على الجميع دون ما استثناء.
(٢) ففيما كان نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الأوس و الخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه إذ مرّ عليهم «شاس بن قيس» و هو يهودي شديد العداء للإسلام، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، فغاظه ما رأى من الفة الأوس و الخزرج، و اجتماعهم و تواددهم، و صلاح ذات بينهم على الاسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة الطويلة في الجاهلية، فأمر فتى من يهود كان معهم فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث [١] و ما كان قبله و أنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا و تبادلوا فيه من الاشعار!! ايقاعا بين هاتين الطائفتين من الأنصار، و إثارة لنيران الاحقاد الدفينة، و العداوات الغابرة.
(٣) ففعل ذلك الغلام اليهودي ما أمره به «شاس» فتكلم القوم عند ذلك، و تنازعوا، و تفاخروا، و تواثب رجلان من القبيلتين على الركب و أخذ كل منهما يهدّد الآخر، و تفاقم النزاع، و غضب الفريقان و تصايحا، و قاما إلى السلاح و كاد أن يقع قتال و دم بعد أن ارتفعت النداءات القبلية بالاستغاثة و الاستنجاد على عادة الجاهلية فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عرف بمكيدة اليهود، و مؤامرتهم الخبيثة هذه، فخرج الى تلك الجماعة المتصايحة من الأوس و الخزرج في جمع من أصحابه المهاجرين فقال:
[١] قد مرّ ذكر هذه الوقعة و قلنا: هو يوم اقتتلت فيه الأوس و الخزرج و كان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج.