تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٩٣ - تقييم ما استند إليه سعد في حكمه
عنها و لكن تلك الزمرة التي شملها عفو النبيّ لم تكن تغادر أراضي الاسلام حتى بدأت بالمشاغبة و المؤامرة الدنيئة ضدّ الاسلام، فذهب كعب بن الأشرف الى مكة، و أخذ يتباكى- دجلا و خداعا- على قتلى بدر، و يذرف عليهم دموع التماسيح، و لم يفتأ عن تأليب قريش ضد رسول الاسلام و أصحابه حتى عزمت قريش على تسيير جيشها نحو المدينة، و كانت واقعة «احد» التي استشهد فيها اثنان و سبعون من خيرة أبناء الاسلام، و رجاله.
(١) و هكذا فعلت بنو النضير المتآمرون الخونة، الذين عفا عنهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اكتفى من عقابهم بمجرّد اجلائهم عن المدينة، و لكنهم قابلوا هذا الموقف الانساني، بتأليب القبائل العربية المشركة ضدّ الاسلام، و المسلمين، و كوّنوا اتحادا نظاميا بينها، و ألفوا منها جيشا قويا ساروا به الى عاصمة الاسلام (المدينة)، فكانت وقعة (الاحزاب) التي لو لا حنكة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و خطة حفر الخندق لقضي على الاسلام بسببها منذ الايام الاولى، و لما بقي من ذلك الدين خبر و لا أثر و لقتل آلاف الناس.
(٢) لقد لاحظ سعد بن معاذ كل هذه الاعتبارات، فلم تسمح له التجارة الماضية بأن يستسلم لعواطفه، و يضحّي بمصالح الآلاف في سبيل الحفاظ على مصالح أقلية لأنه كان من المسلّم به أن هذا الفريق سيقوم في المستقبل بايجاد تحالف عسكري أوسع، و سيثير و يؤلب قوى العرب ضد الاسلام، و يعرّض مركز الاسلام، و محوره الاساسي للخطر من خلال تدبير مؤامرات اخرى.
و على هذه الأساس رأى بأن وجود هذه الزمرة يضرّ المجتمع الاسلامي مائة بالمائة و أيقن بأن هذه الزمرة لو أتيح لها أن تخرج من قبضة المسلمين لما فتأت لحظة عن المؤامرة و لواجه المسلمون بسببها أخطارا كبرى.
(٣) و من المحقق أنه اذا لم تكن في المقام هذه الجهات و الاعتبارات لكان إرضاء الرغبة العامة في الابقاء على بني قريظة أو التخفيف في عقابهم أمرا في غاية الأهمية بالنسبة إلى سعد بن معاذ، فان رئيس أي قوم، أو جماعة أحوج ما يكون