تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٦٤ - سفير النبيّ في البلاط الإيراني
كان الملك الذي يحكم هذه الأرض الواسعة هو «خسروا برويز» ثاني ملك بعد انوشيروان، الذي جلس على العرش الملكي الإيراني مدة ٣٢ عاما قبل الهجرة النبوية المباركة.
و قد واجهت حكومة هذا الملك خلال مدة سلطانه أنواعا عديدة من الحوادث المرة و الحلوة، و كانت مكانة ايران في عهده تعاني من الاضطراب، و عدم الاستقرار بشكل ملحوظ.
(١) و قد امتدّ النفوذ الإيراني ذات يوم حتى شمل آسيا الصغرى، و امتدّ الى مشارف القسطنطنية، و أتى بصليب عيسى الذي كان أقدس شيء عند النصارى إلى طيسفون (المدائن)، فطلب سلطان الروم الصلح و بعث سفيرا من قبله الى البلاط الإيراني لعقد معاهدة الصلح.
بيد أنّ سوء تدبير الملوك في تلك الدولة العظمى، و انغماسهم في اللذة و المجون أكثر من المتعارف تسبب في أن تصبح ايران على حافة السقوط و الانهيار في أواخر العهد الساساني، فقد خرجت المستعمرات من تحت النفوذ الإيراني الواحدة تلو الاخرى، و اجتاح العدو الروميّ الاراضي الايرانية إلى الاعماق، و وصل الأمر بخسروبرويز امبراطور ايران الى أن يهرب من وجه الروم الغزاة، و قد أثار هذا الهروب الخانع و هذه الهزيمة المنكرة سخط الشعب يومذاك، فقتل بيد ابنه «شيرويه».
(٢) و يعزي محلّلوا التاريخ القديم تخلّف إيران و ضياع قوتها إلى غرور قادتها و حكامها و ميلهم الى البذخ و الترف، و بلهنية العيش و رغد الحياة، و الزينة و اللذة. و لو كان ذلك الملك يتلقى رسالة السلام التي عرضها الاسلام بالصورة اللائقة لبقيت عظمة إيران على حالها في ظل هذا السلام دون أن يصيبها ما أصابها.
و لو أن رسالة رسول الاسلام لم تترك أثرا حسنا في نفس «خسروا برويز» يومذاك فان ذلك لم يكن لتقصير أو عيب في تلك الرسالة أو في سلوك حاملها