تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣١٠ - صراع بين الايمان و العاطفة
(١) و لقد اختار عبد اللّه بن عبد اللّه بن ابي طريقا ثالثا في هذا الصراع، يضمن مصالح الإسلام من جهة، و يحافظ على مشاعره من أن تجرح على أيدي الآخرين من جهة اخرى، و ذلك بأن يكون هو الذي ينفّذ حكم الاعدام في أبيه المنافق المشاغب.
و هذا العمل و ان كان شاقا مؤلما إلّا أن قوة الايمان باللّه و التسليم لأمره سبحانه كانت تفيض عليه قدرا كبيرا من الطمأنينة و السكون.
و لكن النبي الرحيم (صلّى اللّه عليه و آله) قال ردا على سؤال و اقتراح عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي:
«بل نترفق به و نحسن صحبته ما بقي معنا»!!!
(٢) و هذا الكلام الذي يكشف عن سمو أخلاق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مبلغ رحمته، أدهش المسلمين جميعا فتوجهوا باللوم و العتاب الحادّ إلى المنافق «عبد اللّه بن أبي»، و لحقه بسبب ذلك ذل شديد بين الناس ما وراءه ذل، و هوان ما وراءه هوان، و احتقره الناس حتى انه لم يعد أحد يعبأ به، و يقيم له وزنا.
لقد علّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمين في هذه الحوادث دروسا مفيدة جدا، و أظهر جانبا من سياسة الاسلام الحكمية، و الرشيدة.
فقد تحطم «عبد اللّه بن أبي» رئيس المنافقين بعد هذه الحادثة، و لم يعد له أي دور، بل عاش بقية حياته مهانا محتقرا بين الناس بعد أن رأى الناس إيذاءه المستمر لرسول اللّه، و عفو النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه، و اغضاءه عن مساوئه.
و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعمر بن الخطاب ذات يوم حين بلغه احتقار الناس لابن ابي ذلك الاحتقار، و سقوط محله في القلوب:
«كيف ترى يا عمر، أما و اللّه لو قتلته يوم قلت لي: اقتله، لارعدت له انف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته».
فقال عمر: قد و اللّه علمت لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعظم بركة