تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤١٣ - ما ما
و تكونُ ما اسْتِفْهاماً و ذا زائِدَةً في نحوِ قولك: ماذَا صَنَعْتَ ، أَي أَيُّ شيءٍ صَنَعْتَ.
*قُلْتُ: و منه قولُ جرير:
يا خزر تَغْلب ماذا بالَ نِسْوتُكُم
قال ابنُ فارِسِ: فليسَ ذا بمنْزِلَةِ الذي و لا يَصْلحُ ما الذي بالَ نِسْوتُكم، و كان ذَا زِيادَةً مُسْتَغْنًى عنها إلاَّ في إقامَةِ وَزْنِ الشِّعرْ.
و تكونُ ما شَرْطِيَّةً غَيْرَ زَمانِيَّةٍ ، هذا هو النَّوعُ الثاني للنَّكِرَةِ المُضَمَّنَة معْنَى الحَرْف [١] نَحوُ قوله تعالى: مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللََّهُ [٢] ، و قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أَو نَنْسأْها [٣] ، و قوله تعالى: مََا يَفْتَحِ اَللََّهُ لِلنََّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاََ مُمْسِكَ لَهََا وَ مََا يُمْسِكْ فَلاََ مُرْسِلَ لَهُ [٤] .
أَو زَمانِيَّةً [٥] : كقوله تعالى: فَمَا اِسْتَقََامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [٦] ؛ قال ابنُ فارِس: ما إذا كانتْ شَرْطاً و جَزاءً فكقولِ المُتكلِّم: ما تَفْعَلْ أَفْعَلْ، قال عُلماؤُنا:
مَوْضِعُها مِن الإعْرابِ حَسَبَ العامِلِ، فإنْ كانَ الشَّرْطُ فعْلاً لا يَتَعَدَّى إلى مَفْعولٍ فمَوْضِعُ ما رَفْعٌ، يقولُ البَصْريون: هو رَفْعٌ بالابْتِداءِ، و يكونُ رَفْعاً عنْدَنا بالغَايَةِ، و إن كانَ الفِعْلُ مُتعدِّياً كانتْ ما مَنْصوبَةً، و إن دَخَلَ عليه حَرْفُ خَفْضٍ أَو أُضِيفَ إليه اسْمٌ فهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ.
و أَمَّا أَوْجُهُ الحَرْفِيَّةِ ؛ لمَّا فَرَغَ مِن بَيانِ ما الاسْمِيَّة شَرَعَ يَذْكُر ما الحَرْفِيَّة و وُجُوهَها الأَرْبَعةَ، و هي: أَنْ تكونَ نافِيَةً، و أنْ تكونَ مع الفِعْلِ بِمنْزِلَةِ المَصْدَر، و أَنْ تكونَ زائِدَةً، و أنْ تكونَ كافَّةً؛ فقالَ:
فأَحدُها: أَنْ تكونَ نافِيَةً للحالِ نحوُ: ما يَفْعَل الآنَ، و للماضِي القَرِيبِ مِن الحالِ نحو: ما فَعَل، و لا يَتَقَدَّمُها شيءٌ ممَّا في حَيِّزِها، فلا يقالُ: ما طَعامُك يا زَيْد آكُلخِلافاً للكُوفِيِّين، و نحو قولِ الشاعرِ:
إذا هي قامَتْ حاسراً مُشْمَعِلَّةً # نَخيبُ الفُوادِ رأْسُها ما تَقْنعُ
مع شُذوذِه مُحْتَمل للتَّأْوِيلِ. فإنْ ادخلت [٧] على الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ أَعْمَلَها الحِجازِيُّونَ و التِّهامِيُّونَ و النّجْديُّونَ عَمَلَ ليسَ بشُروطٍ مَعْروفَةٍ عنْدَ أَئِمَّةِ النَّحْو في كُتْبِهم و في الصِّحاح: فإنْ جَعَلْتها حَرْفَ نَفْيٍ لم تُعْمِلْها في لُغَةِ أَهْلِ نَجْدٍ لأنَّها دَوَّارةٌ، و هو القِياسُ، و أَعْمَلْتَها في لغةِ أَهْلِ الحِجازِ تَشْبيهاً بليسَ نحوُ : ما زَيْدٌ خارِجاً، و قَوْله تعالى:
مََا هََذََا بَشَراً [٨] ، و قوله تعالى: مََا هُنَّ أُمَّهََاتِهِمْ [٩]
قالَ ابنُ فارِس: قولُ العَرَبِ. ما زَيْدٌ مُنْطلقاً فيه لُغتانِ:
ما زَيْدٌ مُنْطلقاً، و ما زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فمَنْ نَصَبَ فلأنَّه أَسْقَطَ الباءَ أَرادَ بمُنْطَلقٍ: فلمَّا ذهَبَتِ الباءُ انْتَصَب، و قومٌ يَجْعلُون ما بمعْنَى ليسَ كأنَّه ليسَ زَيْدٌ مُنْطلقاً. و نَدَرَ تَرْكِيبُها مع النَّكِرَةِ تَشْبِيهاً بِلا كقولِه ، أَي الشَّاعرِ:
و ما بأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنا تَحِيَّةً # قَليلٌ على مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عابُها [١٠]
و قد يُسْتَثْنَى بما ، قال ابنُ فارِس: و ذَكَرَ لي أَبي عن أَبي عبد اللََّه محمدِ بنِ سَعْدان النّحَوي قالَ: تكونُ ما بمعْنَى إلاَّ في قولِ العَرَبِ: كلُّ شيءٍ مَهَهٌ ما النِّساءَ و ذِكْرَهُنَّ، نَصَبَ النِّساءَ على الاسْتِثْناءِ ، أَي إلاَّ النِّساءَ و ذِكْرَهُنَّ، هذا كَلامُه، و قد يُرْوَى مَهَاهُ و مَهَاهَة؛ و تقدَّمَ للمصنِّفِ في حرف الهاءِ هذا المَثَلَ بخِلافِ ما أَوْرَدَه هنا، فإنَّه قالَ: ما خَلاَ النِّساءِ و ذِكْرَهُنَّ، و ذَكَرْنا هناك أَنَّ ابنَ برِّي قالَ: الرِّوايَةُ بحَذْفِ خلا، و قولُ شيْخِنا أنَّه مَنْصوبٌ بعَدَا محذوفة دلَّ عليها المقامُ و لا يُعْرَفُ اسْتِعْمالُ ما في الاسْتِثْناءِ، انتَهَى، غَيْرُ صَحِيح لمَا قدَّمْناه عن ابنِ فارِس، و يدلُّ له رِوايَةُ بعضِهم: إلاَّ حدِيثَ
[١] تقدم النوع الأول و هو «ما» الاستفهامية، و معناها أي شيء، انظره فيما تقدم قريباً.
[٢] سورة البقرة، الآية ١٩٧.
[٣] سورة البقرة، الآية ١٠٦.
[٤] سورة فاطر، الآية ٢.
[٥] في القاموس: و زَمانِيَّةً.
[٦] سورة التوبة، الآية ٧.
[٧] في القاموس: دَخَلَتْ.
[٨] سورة يوسف، الآية ٣١.
[٩] سورة المجادلة، الآية ٢.
[١٠] من شواهد القاموس، و الشاهد ٥٦٤ من شواهد المغني. و لم ينسبوه.