تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٩٩ - لا لا
الأوَّل على مَعْناهُ مِن غَيْرِ تَغْييرٍ و لا تَخْصيصٍ و لا تَقْييدٍ، كأَنَّك قلْتَ قامَ إمَّا زَيْدٌ و إمَّا غيرُه لا زَيْد، و هذا لا يصحُّ.
الشيءُ الثاني أنَّ مَبْنى كَلامِ العَرَبِ على الفائِدَةِ فَحيثُ حَصَلَتْ كانَ التَّرْكِيبُ صَحِيحاً، و حيث لم تَحْصَل امْتَنَع في كَلامِهم، و قَوْلك قامَ رجُلٌ لا زَيْد مع إرادَةِ مَدْلُول رَجُل في احْتِمالِه لزَيْد و غَيْره لا فائِدَةَ فيه، و نقولُ أنَّه مُتنَاقِضٌ لأنَّه إن أَرَدْتَ الإخْبارَ بنَفْي قِيامِ زَيْد و بالإخْبار بقِيامِ رجُلٍ المُحْتمل له و لغيْرِه كانَ مُتَناقِضاً، و إن أَرَدْتَ الإخْبارَ بقِيامِ رجُلٍ غَيْر زَيْد كان طَرِيقُك أَنْ تقولَ غَيْر زَيْد، فإن قُلْتَ لا بمعْنَى غَيْر لم تَكُنْ عاطِفَةً، و نحنُ إنَّما نَتَكلَّمُ على العَاطِفَةِ، و الفَرْقُ بَيْنهما أنَّ التي بمعْنَى غَيْر مُقَيّدَةٌ للأُولى مُبَيِّنَةٌ لوَصْفِه، و العاطِفَة مُبَيِّنة حُكماً جَدِيداً لغَيْرِه، فهذا هو الذي خَطَرَ لي في ذلكَ و به يُتَبَيَّنُ أنَّه لا فَرْقَ بينَ قَوْلك قامَ رَجُلٌ لا زَيْد، و قَوْلك قامَ زَيْدٌ لا رَجُل، كِلاهُما مُمْتَنِعٌ إلاَّ أن يُرادَ بالرَّجُلِ غَيْرُ زَيْدٍ فحينَئِذٍ يصحُّ فيهما إنْ كانَ يصحُّ وَضْع لا في هذا المَوْضِع مَوْضِع غَيْر و فيه نَظَرٌ و تَفْصيلٌ سنَذْكُره، و إلاَّ فنَعْدلُ عنها إلى صِيغَةِ غَيْر إذا أُرِيدَ ذلكَ المَعْنى.
و بَيْنَ العَطْفِ و مَعْنى غَيْر فَرْقٌ، و هو أنَّ العَطْفَ يَقْتضِي النَّفْيَ عن الثاني بالمَنْطوقِ و لا تعرض له للأوَّل إلاَّ بتَأْكِيدِ ما دَلَّ عليه بالمَفْهوم إنْ سَلِم، و مَعْنى غَيْر يَقْتَضِي تَقْييِد الأوَّل و لا تعرض له للثاني إلاَّ بالمَفْهومِ إن جَعَلْتها صِفَةً، و إنْ جَعَلْتها اسْتِثْناءً فحُكْمُه حُكْم الاسْتِثْناء في أَنَّ الدَّلالَةَ هل هي بالمَنْطوقِ أَو بالمَفْهومِ و فيه بَحْثٌ.
و التَّفْصِيلُ الذي وَعَدْنا به هو أنَّه يَجوزُ قامَ رجُلٌ غَيْر زَيْد، و امْررْ برَجُلٍ غَيْر عاقِلٍ، و هذا رَجُل لا امْرأَة، و رَأَيْتُ طَويلاً غَيْر قَصِيرٍ، فإنْ كانا عَلَمْين جازَ فيه لا و غَيْر، و هذانِ الوَجْهانِ اللذانِ خَطَرَا لي زائِدَانِ على ما قالَهُ السّهيلي و الأبدي مِن مَفْهومِ الخِطابِ لأنَّه إنَّما يَأْتي على القَوْلِ بمَفْهومِ اللّقَبِ و هو ضَعِيفٌ عنْدَ الأُصُوليِّين، و ما ذَكَرْته يأْتي عليه و على غَيْرِه على أنَّ الذي قالاه أَيْضاً وَجْه حَسَن يَصِيرُ معه العَطْف في حُكْمِ المُبَيّن لمعْنَى الأَول مِن انْفِرادِه بذلِكَ الحُكْم وَحْده و التَّصْريح بعَدَمِ مُشارَكَة الثاني له فيه و إلاَّ لكانَ في حُكْم كَلامٍ آخر مُسْتَقِل، و ليسَ هو المَسْأَلةُ و هو مطردٌ أَيْضاً في قوْلكَ قامَ رجُلٌ لا زَيْد و قام زيدٌ لا رَجُل، لأنَّ كُلاًّ منهما عنْدَ الأُصُولِيِّين له حُكْم اللّقَب، و هذا الوَجْه مع الوَجْهَيْن اللذينِ خَطَرَا لي إنَّما هو في لَفْظَةٍ لا خاصَّة لاخْتِصاصِها بسَعَةِ النَّفْي و نَفْي المُسْتَقْبَل على خِلافٍ فيه و وضع الكَلام في عَطْفِ المُفْرداتِ لا عَطْف الجُمَل، فلو جِئْتَ مَكانَها بما أَو لم أَو ليسَ و جَعَلْته كَلاماً مُسْتَقلاَّ لم يَأْتِ المَسْأَلة و لم يَمْتَنع.
و أَمَّا قولُ البَيانيين في قَصْرِ المَوْصُوف إفْراداً زَيْد كاتِبٌ لا شاعِرٌ فصَحِيح لا مُنافَاة بَيْنه و بَيْنَ ما قُلْناه، و قَوْلُهم عَدَم تَنافِي الوَصْفَيْن مَعْناه أنَّه يُمْكِنُ صِدْقهما على ذاتٍ واحِدَةٍ كالعالِمِ و الجاهِلِ، فإنَّ الوَصْفَ بأحَدِ ما يَنْفي الوَصْفَ بالآخرِ لاسْتِحالَةِ اجْتماعِهما، و أَمَّا شَاعِرٌ و كاتِبٌ فالوَصْفُ بأحدِهما لا يَنْفِي الوَصْفَ بالآخرِ لإِمْكانِ اجْتماعِهما في شاعِرٍ كَاتِب فإنَّه يَجِيءُ نَفْي الآخر إذا أُرِيدَ قَصْر المَوْصُوف على أَحَدِهما بما تَفْهمُه القَرائنُ و سِياقُ الكَلام؛ فلا يقالُ مع هذا كيفَ يَجْتَمِعُ كَلامُ البَيانِيِّين مع كَلامِ السَّهيلي و الشَّيْخ لظُهورِ إمْكانِ اجْتِماعِهما، و أَمَّا قَوْلك قامَ رَجُلٌ و زَيْد فتَرْكِيبٌ صَحِيحٌ و مَعْناهُ قامَ رَجُل غَيْر زَيْد و زَيْد، و اسْتَفَدْنا التَّقْييد مِن العَطْفِ لمَا قَدَّمْناه مِن أنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَة، فهذا المُتكلِّمُ أَوْردَ كَلامَه أَوَّلاً على جِهَةِ الاحْتمالِ لأنْ يكونَ زَيْداً، و أن يكونَ غَيْرَه، فلمَّا قالَ و زَيْد عَلِمْنا أنَّه أَرادَ بالرَّجُلِ غَيْرَه و له مَقْصودٌ قد يكونُ صَحِيحاً في إبهامِ الأوَّل و تَعْيين الثاني، و تَحْصَل للسَّامِع به فائِدَةٌ لا يُتَوَصَّل إليها إلاَّ بذلكَ التَّرْكيبِ أَو مِثْلِه مع حَقِيقَةِ العَطْف بخِلافِ قَوْلِك قامَ رَجُلٌ لا زَيْد لم تَحْصَل به قط فائِدَة و لا مَقْصُود زائِدٌ على المُغايرَةِ الحاصِلَةِ بدُون العَطْفِ في قَوْلِكَ قامَ رَجُلٌ غَيْرِ زَيْد، و إذا أَمْكَنتِ الفائِدَةُ المَقْصودَةُ بدُون العَطْفِ يَظْهَرُ أن يَمْتَنِعَ العَطْف لأنَّ مَبْني كَلامِ العَرَبِ على الإيجازِ و الاخْتِصارِ، و إنَّما نَعْدلُ إلى الإطْنابِ بِمَقْصودٍ لا يَحْصَلَ بدُونِه، فإذا لم يَحْصَلَ مَقْصُود به فيَظْهَر امْتِناعُه و لا يَعْدل إلى الجُمْلَتَيْن ما قُدِّرَ على جملةٍ واحِدَةٍ، و لا إلى العَطْف ما قُدِّرَ عليه بدُونهِ، فلذلِكَ قُلْنا بالامْتِناع، و بهذا يظهر الجَواب عن قَوْلِكَ إن أَرَدْتَ غَيْرَه كانَ عَطْفاً، و قَوْلك و يُصير على هذا التَّقْدِيرِ مِثْل قامَ رَجُلٌ لا زَيْد في