تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٤٠ - نسي نسي
فلَسْت بصَرَّام و لا ذِي مَلالةٍ # و لا نِسْوةٍ للعَهْدِ يا أُمَّ جَعْفَرِ
ضِدُّ حَفِظَه و ذَكَرَه.
و قال الجَوْهرِي: نَسِيتُ الشيءَ نِسْياناً ، و لا تَقُلْ نَسَياناً، بالتّحْريكِ، لأنَّ نسو النَّسَيان إنَّما هو تَثْنِيَةُ نسو نَسا العِرْق.
و أَنْساهُ إيَّاهُ إنساءً ؛ ثم إنَّ تَفْسيرَ النِّسْيان بضِدِّ الحفْظِ و الذِّكْر هو الذي في الصِّحاح و غيرِهِ.
قال شيخنا: و هو لا يَخْلو عن تأَمّلٍ، و أَكْثَر أَهْلِ اللغَةِ فَسَّرُوه بالتَّرْكِ و هو المَشْهورُ عنْدَهُم، كما في المَشارِقِ و غيرِهِ، و جَعَلَه في الأساسِ مجازاً؛ و قال الحافِظُ ابنُ حَجَر: هو مِن إطْلاقِ المَلْزومِ و إرادَة الَّلازِم لأنَّه مِن نَسِيَ الشيءَ تَرَكَه بِلا عكْسٍ.
قُلْت: قالَ الرَّاغبُ: النِّسْيانُ : تَرْكُ الإِنْسانِ ضَبْط ما اسْتُوْدِعَ إمَّا لضَعْفِ قَلْبِه و إمَّا عن غَفْلةٍ أَو عن قَصْدٍ حتى يَنْحذفَ عن القَلْبِ ذِكْرُه، انتَهَى.
و النِّسْيانُ عنْدَ الأطبَّاء: نُقْصانٌ أَو بُطْلان لقُوّةِ الذَّكاءِ.
و قولهُ، عزَّ و جلَّ: نَسُوا اَللََّهَ فَنَسِيَهُمْ [١] ؛ قالَ ثَعْلبُ: لا يَنْسى اللّه، عزَّ و جلَّ، إنَّما مَعْناه تَرَكُوا اللّه فتَرَكَهم، فلمَّا كانَ النِّسْيانُ ضَرْباً من التَّرْكِ وَضَعَه مَوْضِعَه.
و في التَّهْذيب: أَي تَرَكُوا أَمْرَ اللّه فتَرَكَهم مِن رَحْمتَهِ.
و قولهُ تعالى: فَنَسِيتَهََا وَ كَذََلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسىََ [٢] ، أَي تَرَكْتَها فكَذلكَ تُتْرَكُ في النارِ.
و قولهُ، عزَّ و جلَّ: وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلىََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [٣] ، مَعْناه أَيْضاً تَرَكَ لأنّ الناسِي لا يُؤاخَذُ بنِسْيانِه ، و الأوَّل أَقْيَس.
و قولهُ تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسىََ [٤] ، إخْبارٌ و ضَمانٌ مِن اللّه تعالى أَنْ يَجْعلَه بحيثُ أنَّه لا يَنْسى مايَسْمَعه من الحَقِّ؛ و كلُّ نِسْيانٍ مِن الإِنْسانِ ذَمّه اللّه تعالى فهو ما كانَ أَصْله عن تَعَمُّدٍ منه لا يُعْذَرُ فيه، و ما كانَ عن عُذْرٍ فإنَّه لا يُؤاخَذُ به؛ و منه ١٤- الحديثُ : «رفِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأ و النِّسْيان » . فهو ما لم يَكُنْ سَبَبه منه؛ و قولُه، عزَّ و جلَّ: فَذُوقُوا بِمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا إِنََّا نَسِينََاكُمْ [٥] هو ما كانَ سَبَيه عن تَعَمُّدٍ منهم، و تَركه على طرِيقِ الاسْتِهانَةِ [٦] ، و إذا نسبَ ذلكَ إلى اللّه فهو تركه إيَّاهم اسْتِهانَةً بهم و مُجازَاةً لمَا تَرَكُوه.
و قولُه تعالى: لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [٧] ، فيه تَنْبِيه على أنَّ الإِنسانَ بمَعْرِفَتِه لنَفْسِهِ يَعْرفُ اللّه، عزَّ و جلَّ، فنِسْيانُه للّه هو مِن نِسْيانِه نَفْسه.
و قولهُ تعالى: وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذََا نَسِيتَ [٨] ، حَمَلَه العامَّة على النَّسْيانِ خِلاف الحِفْظ و الذِّكْر. و ١٧- قالَ ابنُ عبَّاس : مَعَناهُ إذا قُلْت شيئاً و لم تَقُل إن شاءَ اللّه فقُلْه إذا تَذَكَّرْتَه.
قال الرَّاغبُ: و بهذا أَجازَ الاسْتِثْناءَ بَعْد مدَّة.
و قال عِكْرِمةِ: مَعْناه ارْتَكَبْتَ ذَنْباً، أَي اذْكُرِ اللّه إذا أَرَدْتَ أَو قَصَدْتَ ارْتِكابَ ذَنْبٍ يَكُن ذلكَ كافا لك [٩] .
و قال الفرَّاء في قولهِ تعالى: مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا [١٠] ، عامَّة القُرَّاء يَجْعلُونَه مِن النِّسْيان ، و النِّسْيانُ هنا على وَجْهَيْن: أَحَدُهما على التَّرْك المَعْنى نَتْرُكُها فلا نَنْسَخها و منه قولهُ تعالى: وَ لاََ تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [١١] ؛ و الوَجْه الآخَرْ: مِن النِّسْيان الذي يُنْسَى .
و قال الزجَّاج: و قُرِىءَ: أَوْ نُنْسِهََا ، و قُرِىءَ: نُنَسِّها ، و قُرِىء، نسأ نَنْسَأَها ، قالَ: و قولُ أَهْل اللغَةِ في قولهِ أَوْ نُنْسِهََا على وَجْهَيْنِ: يكونُ مِن النِّسْيان و احْتَجُوا بقولهِ تعالى:
سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسىََ `إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ ، فقد أَعْلَم اللّه أَنَّه
[١] سورة التوبة، الآية ٦٧.
[٢] سورة طه، الآية ١٢٦.
[٣] سورة طه، الآية ١١٥.
[٤] سورة الأعلى، الآية ٦.
[٥] سورة السجدة، الآية ١٤.
[٦] في المفردات: الإهانة.
[٧] سورة الحشر، الآية ١٩.
[٨] سورة الكهف، الآية ٢٤.
[٩] في المفردات: دافعاً لك.
[١٠] سورة البقرة، الآية ١٠٦.
[١١] سورة البقرة، الآية ٢٣٧.