تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٠٩ - لولا لولا
*الثَّانية:
١٧- قولُ عُمَر، رضي اللََّه تعالى عنه : « لو لم يَخفِ اللََّه لم يَعْصه» . إنْ قُلْتَ إذا جَعَلْنا لو للامْتِناع فهو صَرِيحٌ في وُجُودِ المَعْصِيةِ مُسْتنداً إلى وُجُودِ الخَوْفِ، و هذا لا يَقْبلُه العَقْل؛ الجوابُ: المَعْنى لو انْتَفَى خَوْفُه انْتَفَى عصْيانُه لكنَّه لم يَنْتَفِ خَوْفُه فلم يَنْتَفِ عِصْيانه مُسْتنداً إلى أَمْرٍ وَراء الخَوْفِ.
*الثَّالثة:
قوله تعالى: وَ لَوْ عَلِمَ اَللََّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا [١] ، قد يقالُ إنَّ الجُمْلَتَيْن يَتَرَكَّبُ منهما قِياسٌ و حينَئِذٍ ينتج لو عَلِمَ اللََّه فيهم خيْراً لتولوا، و هذا يَسْتَحِيلُ؛ الجوابُ: إنَّ التَّقْديرَ لا يسمعهم إسْماعاً نافعاً و لو أَسْمَعَهم إسْماعاً غَيْر نافِع لتولوا. جوابٌ ثانٍ: أن يُقدّرَ و لو أَسْمَعَهم على تَقْدير عَدَم عِلْم الخَيْر فيهم. جوابٌ ثالثٌ: أنَّ التَّقْديرَ و لو عَلِمَ اللََّه فيهم خَيْراً وَقْتاً مَّا لتولوا بعْدَ ذلكَ؛ قالَهُ السَّبْكي [٢] . *و ممَّا يُسْتدركُ عليه:
لولا [لولا]:
لولا : قالَ الجَوْهري: مُرَكَّبةٌ مِن مَعْنى أَنْ و لَوْ، و ذلك أنَّ لولا تَمْنَعُ الثاني مِن أَجْلِ وُجُودِ الأوَّلِ تقولُ: لولا زَيْدٌ لهَلكَ عَمْرو، أَي امْتَنَعَ وُقُوعُ الهَلاكِ مِن أجْلِ وُجُودِ زَيْد هناك.
قال ابنُ برِّي: ظاهِرُ كلامِ الجَوْهرِي يَقْضِي بأَنَّ لولا مُركَّبَةٌ مِن أَن المَفْتوحَة و لو، لأَنَّ لو للامْتِناعِ و أنْ للوُجُودِ، فجَعَلَ لولا حَرْفَ امْتِناعٍ لوُجُودٍ، انتَهَى.
و قال المبرِّدُ: لولا تَمْنَعُ الشيءَ مِن أَجْلِ وُقُوعِ غيرِهِ.
و قال ابنُ كَيْسان: المَكْنِيُّ بَعْدَ لَوْلا له وَجْهان: إنْ شِئْتَ جِئْتَ بمَكْني المَرْفوع فقلْتَ لَوْلا هو و لَوْلا هُمْ و لَوْلا هي و لَوْلا أَنْتَ، و إنْ شِئْتَ وصلْتَ المَكْنيَّ بها فكان كمَكْنِيِّ الخَفْضِ، و البَصْريّون يقولونَ: هو خَفْض، و الفرَّاء يقولُ. و إن كانَ في لَفْظِ الخَفْضِ فهو في مَوْضِعِ الرَّفْع، قالَ: و هو أَقْيَسُ القَوْلَيْن، تقول: لَوْلاكَ ما قُمْتُ و لَوْلايَ و لَوْلاهُ و لَوْلاهَا و لَوْلاهُم ، و الأجْودُ لَوْلا أَنْتَ كماقال، عزَّ و جلَّ: لَوْ لاََ أَنْتُمْ لَكُنََّا مُؤْمِنِينَ [٣] ؛ و قال الشاعرُ:
و مَنْزلِةٍ لَوْلايَ طِحْتَ كما هَوَى # بأَجْرامِه مِن قُنَّةِ النِّيقِ مُنْهَوي
و أَنْشَدَ الفرَّاء:
أَ يَطْمَعُ فِينا مَنْ أَراقَ دِماءَنا # و لَوْلاهُ لَمْ يَعْرِضْ لأَحْسابِنا حَسَنْ
و رَوَى المُنْذري عن ثَعْلب قالَ: لَوْلا إذا وَلِيَتِ الأسْماء كانتْ جزاءً و إذا وَلِيَتِ الأفْعالَ كانتْ اسْتِفْهاماً.
و في البصائِرِ للمصنِّفِ: لَوْلا على أرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
*أَحَدُها: أن تَدْخُلَ على جملتين [٤] اسْمِيَّةٍ ففعْلِيَّةٍ لرَبْطِ امْتِناعِ الثَّانِيَةِ بوُجُودِ الأُولى، نحو: لَوْلا زَيْد لأَكْرَمْتكَ، أَي لَوْلا زَيْدٌ مَوْجودٌ و أَمَّا ١٤- الحديثُ : « لَوْلاَ أَنْ أَشقَّ على أُمَّتي لأَمَرْتَهم بالسّواكِ عنْدَ كلِّ صلاةٍ» .
فالتَّقْدير: لَوْلا مَخافَة أَنْ أَشقَّ لأَمَرْتَهم أَمْرَ إيجابٍ و إلاَّ لانْعَكَس مَعْناهُ إذا المُمْتَنِع المَشَقَّة و المَوْجُودُ الأَمْر.
*الثَّاني: تكونُ للتَّحْضيضِ و العَرض فتَخْتَص بالمُضارعِ أَو ما في تأْوِيلِه نحو: لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ [٥] ، و لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلىََ أَجَلٍ قَرِيبٍ [٦] ، و الفَرْقُ بَيْنهما أنَّ التَّحْضِيضَ طَلَبٌ بِحَثٍ [٧] و العَرْض طَلَبٌ برِفْقٍ و تأَدّبٍ.
*الثَّالث: تكونُ للتَّوْبيخِ و التَّنْديدِ [٨] فتَخْتَص بالماضِي، كقوله تعالى: لَوْ لاََ جََاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدََاءَ [٩] ... فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ قُرْبََاناً آلِهَةً [١٠] ؛ و منه: لَوْ لاََ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [١١] قُلْتُمْ
[١] سورة الأنفال، الآية ٢٣.
[٢] ثمة بحث مستفيض لابن هشام في مغني اللبيب، انظره فيه ط دار الفكر بيروت ص ٣٣٧ و ما بعدها.
[٣] سورة سبأ، الآية ٣٢.
[٤] زيادة عن مغني اللبيب ص ٣٥٩ للإيضاح.
[٥] سورة النمل، الآية ٤٦.
[٦] سورة المنافقون، الآية ١٠.
[٧] في مغني اللبيب: طلبٌ بحثّ و إزعاج، و العرض طلب بلين و تأدب.
[٨] مغني اللبيب: و التنديم.
[٩] سورة النور، الآية ١٣.
[١٠] سورة الأحقاف، الآية ٢٨.
[١١] سورة النور، الآية ١٦.