تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٧
أَضْرابِه و أتْرابِه، لا يقومُ لمثْلِه إلاَّ مِن أيد بالتَّوفيقِ، و رَكِبَ في طَلَبِ الفوائِدِ و الفَرائِدِ كلَّ طَرِيقٍ، فغَارَ و أَنْجَد، و تَغَرَّب فيه و أَبْعَد، وَ تَفَرَّغ له في عصرِ الشَّباب و حَرارَتِه، و ساعَدَه العُمُر بامْتدادِه و كِفايَتِه، و ظَهَرتْ عليه عَلاماتُ الحرْص و أَمارَته.
نَعَم و إن كُنْتُ أَسْتَصْغِرُ هذه الغايَةَ فهي كبيرَةٌ و أَسْتَقلها و هي لعمر اللََّه كثيرَةٌ، و أَمَّا الإسْتِيعابُ فأَمْر لا يَفي به طول الأعْمار، و يَحولُ دُونَه مانِعاً العَجْز و البوار، فقَطَعْته و العَيْن طامِحَةٌ، و الهَمَّة إلى طَلَبِ الازْدِيادِ جامِحةٌ، و لو وَثقْت بمساعَدَةِ العُمرِ و امْتدادِه، و رَكَنْت إلى أَن يَعْضدَني التَّوْفيق لبُغْيتي منه و اسْتِعْداده، لضاعَفْتُ حَجْمَه أَضْعافاً، و زِدْتُ في فوائِدِ مئين بل آلافاً، و خَيْرُ الأُمُورِ أَوْساطُها.
و لو أَرَدْتُ نفاقَ هذا الكِتاب و سَيْرُورَته، و اعْتَمدَتُ إشاعَةَ ذِكْرِه و شُهْرتِه لصغرته بقدر هِمَمِ أَهْلِ العَصْر، و رَغَباتِ أَهْملِ النُّفُوسِ في كلِّ مِصْر، و لكنّني أَنْفذْت فيه نهْمَتي، و جَرَرْت رَسَني له بقَدْرِ هِمَّتي، و سأَلْتُ اللَّهَ أَن لا يحرمَنا ثوابَ التّعبَ فيه، و لا يَكِلنا إلى أَنْفُسِنا فيمَا نَعْمَله و نَنَوْيه بمحمدٍ و آلِه الكِرامِ البَرَرةِ.
*و كانَ مدَّةُ إملائي في هذا الكِتابِ مِن الأعْوامِ أَرْبَع عَشرَةَ سَنَة و أَيَّام، مع شواغِلِ الدَّهْر و تَفاقُمِ الكُرُوبِ بلا انْفِصامٍ. و كان آخِرُ ذلكَ في نهارِ الخميسِ بينَ الصَّلاتَيْن ثاني شَهْر رَجَبَ مِن شهورِ سنة ١١٨٨ بمنْزلي في عطفة الغسال بخط سويقة المظفر بمصر. أَنا أَسْأَلُ اللَّهَ تعالى الهِدايَةَ إلى مراضيه و التَّوفِيق لمحابه بمنِّه و كَرَمِه، و صلَّى اللَّهُ على سيِّدنا و مَوْلانا محمدٍ و على آلِه و أَزْواجِه و أَصْحابِه و سَلَّم تَسْليماً، و آخِرُ دَعْوانا أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ . و كَتَبَه العَبْدُ العاجِزُ المُقَصِّرُ محمدُ مُرْتَضى الحُسَيْني الوَاسِطي الزّبيدِي نَزِيلُ مِصْر، عَفا اللَّهُ عنه و سامَحَه بمنِّه و كَرَمِه آمين