تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٣٧ - يا يا
يا لَكِ مِن قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ [١]
أَو الألِف للاستغَاثَةِ فلالام أَو النُّدْبَة فإنَّه يُفْتَح نحو يا زَيْداهْ و الهاءُ للوَقْفِ خاصَّةً و لا يَجوزُ تَحْرِيكُه إلا لضَرُورَةٍ نحو:
يا رَبّ يا رَبَّاه إيَّاك أَسَلْ [٢]
أَو ما كانَ مَبْنيّاً قَبْل النِّداءِ تحْقِيقاً أَو تَقْديراً نحو: يا خَمْسَةَ عَشَرَ و يا حذامَ و يا لكَاعَ، و يجوزُ وَصْفُ المُنادَى المَعْرِفَة مُطْلقاً على الأعْرفِ خِلافاً للأصْمعي لأنَّه و إن وَقَعَ مَوْقِعَ ما لا يُوصَفُ لم يَجْرِ مَجْراه في كلِّ حالٍ و لم يَصْرِفُوه عن حُكْمِ الغيبةِ رأْساً لجوازِ عَوْدِ الضَّميرِ إليه بلَفْظِ الغَيبةِ و اسْتَثْنى بعضُهم النَّكِرَةَ المُتَعرفَةَ بالنِّداءِ مِثْلُ يا رَجُلُ فإنَّه ليسَ ممَّا يُوصَفُ. و قد حَكَى يُونُس: يا فَاسِق الخَبِيث، و ليسَ بقِياسٍ، و العِلَّة اسْتِطالَتهم إيَّاه بوَصْفِه مع ما ذُكِرَ في امْتِناعِ بِناءِ المُضافِ، و أمَّا العلم فلما لم يَكُنْ مفيداً مِن الألْفاظِ و لا مَعْنى له إلاَّ الإشَارَة لم يُسْتَطَل، فإذا انْتَهَيْتَ إلى الظَّرِيفِ مِن قولِكَ يا زَيْد الظَّرِيف كأنَّك قلْتَ يا ظَرِيفُ، فالمُفْرد منه أَو ما هو في حُكْم المُفْردِ إذا كانَ جارِياً على مَضْمومٍ غَيْر مُبْهمٍ جازَ فيه النَّصْبُ حَمْلاً على المَوْضِعِ؛ منه قولُه:
فما كَعْب بن مَامَةَ و ابن سُعْدى # بأَكْرَم مِنْكَ يا عمر الجَوادَا [٣]
فالرَّفْعُ حَمْلاً على اللَّفْظِ لأنَّ الضمَّ لاطِّردِه هنا أَشْبَه الرَّفْع؛ و على هذا: زَيْد الكَرِيم الخيم، رَفْعاً و نَصْباً، و إذا كانَ مُضافاً أَو لمُضافٍ فالنّصْب ليسَ إلاَّ، نحو: يا زَيْد ذَا الجمةِ و يا عَبْدُ اللَّهِ الظَّريف، و كذا سائِرُ التَّوابعِ إلاَّ البَدَل، و نحو: زَيْد و عَمْرو مِن المَعْطوفاتِ، فإنَحُكْمَهما حُكْمُ المُنادَى بعَيْنهِ مُطْلقاً كسائِرِ التَّوابِعِ مُضافَةً، تقول: يا زَيْد زَيْد، و يا زَيْدُ صاحِب عَمْرو، إذا أبْدَلْتَ، و يا زَيْد و عَمرٍو، و يا زَيْد و عَبْد اللََّه، تقول: يا تَمِيم أَجْمَعِين و أَجْمَعُون و كُلّهم أَو كُلّكم، و يا غُلام بِشْر أَو بِشْر و أَبا عَبْدِ اللَّهِ، و جاز في قولِه:
إنِّي و أَسْطارٍ سُطرنَ سطراً # لقائِلٍ يا نصرُ نصرٌ نصرا [٤]
أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، و يا عَمْرو و الحارث. و يختارُ الخَليلُ في المَعْطوفِ الرَّفْعَ، و أَبو عَمْرٍو النَّصْبَ، و أَبو العبَّاس الرَّفْعَ فيمَا يصحُّ نَزْع اللاَّمِ عنه كالحَسَنِ و النَّصْبَ فيمَا لا يصحُّ كالنجم و الصّعْق، و كَذلكَ الرَّجُل حيثُ لم يسوغوا يا زَيْد و رَجُل، كأَنَّهم كَرِهوا بِناءَهُ مِن غَيْرِ عَلامَة تَعْريفٍ بخِلافِ العلمِ. و إذا وُصِفَ المَضْمومُ بابنٍ و هو بَيْنَ عَلَمَيْن بُني المُنادَى معه على الفَتْح إتْباعاً لحَرَكَةِ الأوَّل حَرَكَة الثاني، و تَنْزِيلاً لَهُما مَنْزلَة كلمةٍ واحِدَةٍ بِخلافِ ما إذا لم يَقَعْ، و كذا في غَيْرِ النِّداءِ فيُحْذَفُ التَّنْوين مِن المَوْصُوفِ بابنٍ بينَ عَلَمَيْن نحو يا زَيْد بن عَمْرو و يا زَيْد ابن أَخِي، و هذا زَيْد بن عَمْرو و زَيْد ابن أَخِي، و جَوَّزُوا في الوَصْفِ التَّنْوين في الضَّرُورَةِ نحو:
جارية من قيس بن ثعلبة
و لا يُنادَى ما فيه الألِف و اللاّم كَراهَة اجْتِماع عَلامَتي التَّعْريفِ، بل يتَوَسَّل إليه بالمُبْهم نحو: يا أَيّها الرَّجُل، و يا هذا الرَّجُل، و أَيّهذا الرّجُل، و لا يسوغُ في الوصْفِ هنا إلاَّ الرَّفْع لأنَّه المَقْصودُ بالنِّداءِ، و كذا في تَوابِعِه لأنَّها تَوابعُ مُعْربٍ، و يدلُّ على إعْرابِه نحو:
يا أَيُّها الجاهِلُ ذُو التنزي
و لهذا وَجْهٌ آخَرُ و هو أنْ يكونَ بمنْزِلَةِ غَيْرِه مِن الأسْماءِ المُسْتَقلّةِ بأَنْفُسِها فجازَ في وَصْفِه النَّصْب نحو: يا هذا الطَّوِيل، وَ يَنْبَغي أَنْ لا يكون الوَصْفُ في هذا اسْمَ جِنْسٍ و لكن مُشْتَقّاً لأنَّه لا يُوصَفُ باسْمِ الجِنْسِ إلاَّ و هو غيْرُ مَعْلومٍ بتَمامِه و لا مُسْتقلٌّ بِنَفْسِه، و قالوا: يا أللّه خاصَّةً
[١] الرجز لكليب بن ربيعة التغلبي، اللسان و الصحاح.
خلا لك الجو فبيضي و اصفري
و قيل الرجز لطرفة ديوانه ص ٤٦، و لعله استشهد بها.
[٢] اللسان «ها» و بعده:
عفراء يا رباه من قبل الأسل.
[٣] البيت لجرير، ديوانه ص ١٣٥ و ابن سعدى هو أوس بن حارثة الطائي، و هما من الأجواد (كعب و ابن سعدى) و يعني بعمر عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي.
[٤] الرجز لرؤبة في نصر بن سيار أمير خراسان.