تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٤
خِلافاً لزاعِمِه، و وَصَفَهم بقولِه: وُلاةِ الحَقِ ، جَمْع والٍ أَي الذين يَلُونَ الحَقَّ أَي يَتَّصِفُون بِه، و قُضاةِ الخَلْقِ ، جَمْعُ قاضٍ أَي شَأْنهم الاتِّصاف بذلكَ و إن لم يلوه بالفِعْل ١٤- لأنَّ النبيَّ، صلى اللََّه عليه و سلم، قال : أَصْحابي كالنَّجُومِ بأَيِّهم اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتم. و رَتَقَةِ الفَتْقِ ؛ الرَّتَقَةُ محرّكَةً جَمْعُ راتِقٍ و هو الذي يضمُّ الشيءَ و يلأمُه، و الفَتْقُ الشِّقُّ، و فسَّر المصنِّفُ الرّتْقِ بأنّه ضِدُّ الفَتْقِ فالجَمْعُ بَيْنهما مِن أَنْواعِ البَدِيعِ؛ و غُرَرِ السَّبْقِ ؛ الغُرَرِ جَمْعُ غرةٍ، و السَّبْقُ التَّقدُّمُ، و فَتَحَةِ الغَرْبِ و الشَّرْقِ ؛ الفَتَحَةُ، بالتّحْريكِ جَمْعُ فاتِحٍ و المُرادُ بالغَرْبِ و الشَّرْقِ قطراهما لأنَّهم، رضِيَ اللََّه تعالى عنهم، جاهَدُوا فِي اَللََّهِ حَقَّ جِهََادِهِ حتى مَهَّدُوا الدُّنْيا بأسْرِها و اسْتَوْلَوا على الأرْضين كُلِّها بفَتْحِها بقَتْل كَفَرتِها و أَخْذها و أَسْرها، جَزاهُم اللَّهُ خَيْراً عن الإسْلامِ و بَوَّأَهُم الجنَّة دارَ السّلامِ و رَزَقَنا مَحَبَّتَهم الخالِظَةَ و الانْقِيادَ إلى وُدِّهم و الاسْتِسلام آمِين؛ و سَلِّم ؛ هكذا في سائِرِ النسخِ و كأنَّه مَعْطوفٌ على صلَّى المُقَدر مِن قولِه و أَن يُصَلِّيَ عليه؛ تَسْليماً كثيراً ؛ دائماً أبَداً. و حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ [١] ؛ هكذا وُجِدَ في النَسخِ المَوْجُودَةِ عنْدَنا خِتامُ هذه الخاتِمَة بهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، و في بعضِها بدُون هذه الآيةِ
٥ *
.
و تقدَّمَ أَنَّ الجَوْهري خَتَم كتابَه بقولِ ذي الرُّمَةِ السابقِ، و قلَّدَه صاحِبُ اللِّسان. و أَمَّا الأزْهري فقالَ في آخرِ كِتابه ما نَصّه: و هذا آخِرُ الكِتابِ الذي سَمَّيته «تَهْذِيب اللّغَةِ» و قد حَرِصْت أَنْ لا أَودعَه مِن كَلامِهم إلاَّ ما صحَّ لي سماعاً مِن أَعْرابيِّ فَصيح، أَو مَحْفوظاً لإمامٍ ثقةٍ حسن الضبط، مأمون على ما أَدّى [٢] و أمَّا ما وَقَعَ في تَضاعِيفِه لأبي بَكْرٍ محمدِ بنِ دُرَيْدٍ الشاعِرِ و للَّيْث ممَّا لم أَحْفَظْه لغيرِهما مِن الثِّقاتِ، فقد ذَكَرْتُ أَوَّل الكِتابِ أَنِّي واقف في تِلْكَ الحُرُوفِ و يجبُ على الناظِرِ فيها أنْ يَفْحصَ عن تلكَ الغرائبِ التي اسْتَغْربْناها و أَنْكَرْنا مَعْرفَتَها، فإن وَجَدَها مَحْفوظَةً في كُتُبِ الأئمَّةِ، أَو شِعْرٍ جاهِلِيٍّ أَوبَدَويٍّ إسْلاميٍّ عَلِمَ صِحَّتَها، و ما لم يصحَّ له مِن هذه الجِهةِ توقَّف عن تَصْحيحِه.
و أَمَّا النوادِرِ التي لاَواها أَبو عُمر الزَّاهد و أَوْدَعَها كتابَه فإنِّي تأَمَّلْتها و لم أَعْثُرْ منها على كلمةٍ مُصَحَّفةٍ و لا لَفْظَةٍ مزالةٍ عن وجْهِها أَو محرَّفةٍ عن مَعْناها؛ و وجدْتُ عظم ما رَوَى لابنِ الأعْرابي و أَبي عَمْرو الشَّيّباني و أَبي زيْدٍ و أَبي عبيدَةَ و الأصْمعي مَعْروفاً في الكتْبِ التي رَوَاها الثِّقات عنهم، و النَّوادِرِ المَحْفُوظَة لَهُم، و لا يَخْفى ذلكَ على مَنْ دَرَسَ كُتَبَهم و عُني بحفْظِها و التَّفَقُّد لَها. و لم أَذْهَبْ فيما أَلَّفْتُ و جمعْتُ في كتابي مَذْهَب مَنْ تصدَّى للتَّأليفِ فجمَعَ ما جَمَعَ مِن كُتُبٍ لم يَحْكم مَعْرفَتها و لم يَسْمَعْها ممَّنْ أَتْقَنَها، و حَمَلَه الجَهْلُ و قلَّةُ المَعْرفةِ على تَحْصِيلِ ما لم يحصله و تَكْمِلَةِ ما لم يكْمِلْه حتى أَفْضَى به ذلكَ إلى أَنْ صحَّف فأكْثَر و غَيَّر فأَخْطَأَ، و لمَّا تأَمَّلْت ما أَلَّفَه هذه الطَّبْقة و جِنايَتَهم على لِسانِ العربِ الذي به نَزَلَ الكِتاب و وَرَدَتِ السُّنَنُ و الأخْبارُ و إزالَتَهم كَلامَ العَرَبِ عمَّا عليه صِيغَة أَلْسِنَتها و إدْخالَهم فيه ما ليسَ مِن لُغاتِها عَلِمْتُ أنَّ المُمَيَّزينَ مِن عُلماءِ اللغةِ قد قَلّوا في أَقْطارِ الأرضِ، و أَنَّ مَنْ دَرَسَ تلْكَ الكُتُبِ رُبَّما اغْتَرَّ بها و اسْتَعْملَها و اتّخَذَها أُصُولاً فبَنَى عليها، فأَلَّفْتُ هذا الكتابَ و أَعْفَيْته مِن الحَشْوِ و بَيَّنْتُ الصَّوابَ بقَدْرِ مَعْرفَتي و نَقَّيْته مِن التَّصْحيفِ و المُغَيَّر و الخَطَأ المُسْتَفْحشِ و التَّفْسير المزال عن جِهَة.
و لو أَنَّني كثّرت كتابي و حَشَوْتُه بمَا حَوَتْه دَفاتِرِي و اشْتملت [٣] عليه الكُتُب التي أَفْسَدَها الوَرَّاقونَ و غيَّرها المُصَحِّفُونَ لطالَ و تَضاعَفَ على ما انتَهَى إليه، و كُنْتُ أَحَد الجانِينَ على لغاتِ العربِ، و اللَّهُ يُعيذُنا مِن ذلكَ، غَيْر أنِّي حرِصْتُ أنْ يكونَ ما دَوَّنْته مُهذّباً مِن آفةِ التَّصْحيفِ مُنَقّى مِن فَسادِ التَّغْيِير، و مَنْ نَظَرَ فيه مِن ذوي المعْرفَةِ يَعْجلنَّ إلى الردِّ و الإنْكارِ، و ليَتَثَبَّتْ فيمَا يَخْطُر ببالِه فإنَّه يبيِّن له الحقَّ و يَنْتَفِعُ بمَا اسْتَفادَ [٤] و أَسْأَلَ اللَّهَ ذا
[١] سورة آل عمران، الآية ١٧٣، و الآية ليست في نسخ القاموس المطبوعة المتداولة، و قد ذكرت على هامشه عن إحدى نسخه.
[٥] (*) خاتمة النسخة التي بأيدينا فيها: وَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ* . آمين.
[٢] زيادة عن التهذيب ١٥/٦٩٢.
[٣] عن التهذيب و بالأصل «و اشتمل» .
[٤] بعدها في التهذيب: و مهما قصرنا عنه فإنما هو لعجز الإنسان عن الكمال، و ما كان من إحساس فبتوفيق اللََّه و تسديده، و النية في كل ذلك منها الاجتهاد في بلوغ الحق.