تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٩٧ - لا لا
يَتَغايَرَ [١] مُتَعاطِفاها فلا يجوزُ جاءَني رجُلٌ لا زَيْدٌ لأنَّه يَصْدُقُ على زيدٍ اسْمُ الرَّجُلِ بخِلافِ جاءَني رجُلٌ لا امْرأَة، و بشَرْط أَنْ لا تَقْتَرِن بعاطِفٍ. فهي شُروطٌ ثلاثَةٌ ذكرَ منها الشَّرْطَيْن و أغفلَ عن الثالثِ، و قد ذَكَرَه الجَوْهرِي و غيرُه كما سَيَأْتي.
و في المِصْباح: و تكونُ عاطِفَةً بعْدَ الأَمْرِ و الدُّعاءِ و الإِيجابِ، نحو: أَكْرِمْ زَيْداً لا عَمْراً، و اللّهُمَّ اغْفِرْ لزَيْد، لا عَمْرٍو، و قامَ زَيْدٌ لا عَمْرٌو، و لا يجوزُ ظُهور فِعْل ماضٍ بعْدَها لئَلاَّ يلتبسَ بالدُّعاءِ، فلا يقالُ قامَ زَيْدٌ لا قامَ عَمْرو. و قال ابنُ الدهان: و لا تَقَعُ بعْدَ كَلام مَنْفيٍّ لأنَّها تَنْفي عن الثاني ما وَجَبَ للأوَّلِ، فإذا كانَ الأوَّلُ مَنْفيّاً فماذا يَنْفي، انتَهَى.
و في الصِّحاح: و قد تكونُ حَرْفَ عَطْفٍ لإخْراجِ الثاني ممَّا دخلَ فيه الأوَّل كقَوْلكَ: رَأَيْت زَيْداً لا عَمْراً، فإنْ أَدْخَلْت عليها الواو خَرَجَتْ مِن أَنْ تكونَ حَرْف عَطْفٍ كقَوْلكَ: لم يَقُمْ زَيْدٌ و لا عَمرو، لأنَّ حُرُوفَ النَّسَق لا يَدْخلُ بعضُها على بعضٍ، فتكونُ الواوُ للعطْفِ و لا إنَّما هي لتَوْكيدِ النَّفْي، انتَهَى.
و في المِصْباح: قال ابنُ السَّراج و تَبِعَه ابنُ جنِّي: مَعْنى لا العاطِفَة التَّحْقيق للأَوّل و النَّفْي عن الثاني فتقولُ قامَ زَيْدٌ لا عَمْرو، و اضْرِبْ زَيْداً لا عَمْراً، و لذلكَ لا يجوزُ وُقُوعُها بعْدَ حُروفِ الاسْتِثْناءِ فلا يقالُ قامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْداً و لا عَمْراً، و شبْه ذلكَ، و ذلكَ أَنَّها للإخْراجِ ممَّا دَخَلَ فيه الأوَّل، و الأوّل هنا مَنْفيٌّ، و لأنَّ الواوَ للعَطْفِ و لا للعَطْفِ و لا يَجْتَمِعُ حَرْفانِ بمعْنًى واحِدٍ، قالَ: و النَّفْي في جَمِيعِ العربِيَّةِ متّسقٌ بِلاَ إلاَّ في الاسْتِثْناءِ، و هذا القسْمُ داخِلٌ في عُمومِ قَوْلهم لا يَجوزُ وُقُوعها بعْدَ كَلامٍ مَنْفيٍّ.
قالَ السّهيلي: و مِن شَرْط العَطْف أَن لا يصدق المَعْطوف عليه على المَعْطوف فلا يَجوزُ قامَ رجُلٌ لا زَيْدٌ، و لا قامَتِ امرأَةٌ لا هِنْد، و قد نَصّوا على جَوازِ اضْربْ رجُلاً لا زَيْداً فيحتاجُ إلى الفَرْقِ، انتَهَى الغَرَض منه، و للحافِظِ تَقِيّ الدِّيْن السّبكي في هذه المَسْأَلةِ رِسَالَة بالخُصوصِسَمَّاها نَيْل العُلا في العَطْفِ بِلا ، و هي جَوابٌ عن سؤالٍ لولدِه القاضِي بَهاء الدِّيْن أَبي حامِدٍ أَحْمد بن عليٍّ السَّبكي و قد قَرَأَها الصَّلاح الصَّفدي على التَّقي في دِمَشْق سَنَة ٧٥٣، و حَضَرَ القِراءَةَ جُمْلةٌ مِن الفُضَلاءِ و في آخِرها حَضَرَه القاضِي تاج الدِّيْن عَبْدُ الوَهاب وَلَدُ المصنِّف، و فيها يقولُ الصَّفدي مقرظاً:
يا مَنْ غَدا في العِلْم ذَا همةٍ # عَظِيمة بالفَضْلِ تملا الملا
لم تَرْقَ في النَّحْوِ إلى رتْبَةٍ # سامِيَةٍ إلاَّ بنَيْلِ العُلا
و سأَخْتَصِرُ لكَ السَّؤالَ و الجَوابَ، و أَذْكر منهما ما يَتَعلَّقُ به الغَرَض:
*قالَ يُخاطِبُ وَلَدَه: سَأَلْتَ أَكْرَمَك اللََّه عن قامَ رجُلٌ لا زَيْد، هل يصحُّ هذا التَّرْكِيب، و أنَّ الشَّيْخ أبا حيَّان جَزَمَ بامْتِناعِهِ و شَرَط أن يكونَ ما قَبْل لا العَاطِفَة غَيْر صادِقٍ على ما بَعْدَها، و أنَّك رأَيْتَ، سَبَقَه لذلكَ السَّهيلي في نَتائجِ الفكْر و أَنَّه قالَ: لأنَّ شَرْطَها أَنْ يكونَ الكَلامُ الذي قَبْلها يَتَضَمَّن بمفْهُومِ الخِطابِ نَفْي ما بَعْدَها و إن عِنْدَكَ في ذلكَ نَظَراً لأُمورِ منها أنَّ البَيانِيِّين تكلَّموا على القَصْرِ و جَعَلُوا منه قَصْر الإفْراد و شَرَطُوا في قَصْر المَوْصُوف إفْراداً عَدَم تَنافِي الوَصْفَيْن كقولنا: زَيْدٌ كاتِبٌ لا شاعِرٌ، و قُلْت كيفَ يَجْتَمِع هذا مع كَلامِ السَّهيلي و الشَّيْخ، و منها إنْ قامَ رَجُلٌ لا زَيْدٌ مِثْل قامَ رجُلٌ و زَيْدٌ في صحَّةِ التَّرْكيبِ، فإن امْتَنَعَ قامَ رجُلٌ و زَيْدٌ ففي غايَةِ البُعْدِ لأنّك إنْ أَرَدْتَ بالرَّجُل الأوَّل زَيْداً كانَ كعَطْفِ الشيءِ على نَفْسِه تَأْكيداً، و لا مانِعَ منه إذا قصدَ الإطْناب، و إن أَرَدْتَ بالرَّجُلِ غَيْرَ زَيْدٍ كانَ مِن عَطْفِ الشيءِ على غَيْرِه و لا مانِعَ منه، و يُصَيّره في هذا التَّقْديرِ مِثْل قامَ رجُلٌ لا زَيْد في صحَّةِ التَّرْكِيب؛ و إنْ كانَ مَعْناهُما مُتَعاكِسَيْن، بل قد يقالُ قامَ رجُلٌ لا زَيْدٌ أَوْلى بالجَوازِ مِن قامَ رجُلٌ و زَيْدٌ؛ لأنَّ قامَ رجُلٌ و زَيْدٌ إنْ أَرَدْتَ بالرَّجُلِ فيه زَيْداً كانَ تَأْكيداً و إنْ أَرَدْتَ غَيْرَه كانَ فيه إلباسٌ على السامِع، و إيهامٌ أَنَّه غَيْرُه، و التَّأْكيدُ و الإلْباسُ مُنْتَفيانِ في قامَ رجُلٌ لا زَيْدٌ، و أَيُّ فَرْقٍ بينَ زَيْدٌ كاتِبٌ لا شاعِرٌ و قامَ رجُلٌ لا
[١] في مغني اللبيب: أن يتعاند.