تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٠٢ - مني مني
و شاهِدُ الأمانيِّ قولُ كَعْب:
فلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ و ما وَعَدَتْ # إنَّ الأمانيَّ و الأحْلامَ تَضْلِيلُ [١] !
و تَمَنَّى تَمَنِّياً : كَذَبَ ، و هو تَفَعُّل مِن مَنَى يَمْنِي إذا قَدَّرَ لأنَّ الكاذِبَ يُقدِّرُ في نَفْسِه الحديثَ.
و قال الرَّاغِبُ: لمَّا كانَ الكَذِبُ تَصَوُّر ما لا حَقِيقَةَ له و إيرَاده باللّفْظِ صارَ التَّمَنِّي كالمَبْدإ للكَذِبِ فصحَّ أنْ يُعَبَّرَ عن الكذِبِ بالتَّمنِّي ، و على ذلكَ ما ١٧- رُوِي عن عُثْمان، رضِيَ اللَّهُ تعالى عنه : ما تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أَسْلَمْت. أَي ما كَذَبْت، انتَهَى.
و يقالُ: هو مَقْلُوبُ تمين مِن المَيْنِ و هو الكذِبُ.
و تَمَنَّى الكِتابَ: قَرَأَهُ و كَتَبَه؛ و به فُسِّر قولُه تعالى:
إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [٢] ؛ أَي قَرَأَ و تَلا فَأَلْقَى فِي تِلاوَتِه ما ليسَ فيه؛ قالَ الشاعرُ يَرْثي عُثْمان، رضِيَ اللَّهُ تعالى عنه:
تَمَنَّى كتابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِه # و آخِرَه لاقَى حِمامَ المَقادِرِ [٣]
و قالَ آخَرُ:
تَمَنَّى كتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلةٍ # تَمَنِّيَ داودَ الزَّبُورَ على رِسْلِ
أَي تَلا كتابَ اللَّهِ مُتَرسِّلاٍ فيه.
قالَ الأزْهري: و التَّلاَوَةُ سُمِّيَت أُمْنِيَّة لأنَّ تَالِي القُرْآنِ إذا مَرَّ بآيَةِ رَحْمَةٍ تَمَنَّاها ، و إذا مَرَّ بآيَةِ عَذَابٍ تَمَنَّى أَن يُوقَّاه.
و قالَ الرَّاغِبُ: قولُه تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاََ يَعْلَمُونَ اَلْكِتََابَ إِلاََّ أَمََانِيَّ [٤] . قالَ مجاهد: مَعْناه إلاَّ كذِباً؛ و قال غيرُهُ: إلاَّ تِلاوَةً. و قولُه تعالى: أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [٥] ؛ و قد تقدَّمَ أَنَّ التَّمنِّي كما يكونُ عن تَخْمِين و ظنِّ قد يكونُ عن رَوِيَّةٍ و بناءٍ على أَصْلٍ، و لمَّا كانَ النَّبيُّ صلّى اللّه عليه و سلّم، كثيراً ما كانَ يُبادِرُ إلى ما نَزَلَ به الرُّوحُ الأمِين على قَلْبِه حتى قيلَ له: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ [٦] ، ... لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [٧] ، سَمَّى تِلاوَتَه على ذلكَ تَمَنِّياً و نَبَّه أنَّ للشَّيْطانِ تَسَلّطاً على مثْلِه في أُمْنِيَّتِه ، و ذلكَ من حيثُ بَيَّن أنَّ العَجَلَةَ من الشَّيْطانِ.
و تَمَنَّى الحديثَ: اخْترَعَهُ و افْتَعَلَهُ و لا أَصْلَ له؛ و منه قولُ رَجُل لابن دَأْبٍ و هو يُحدِّثُ: هذا شيءٌ رَوَيْتَه أَمْ شيءٌ تَمَنَّيْتَه ؟أَي افْتَعَلْتَه و اخْتَلَقْتَه و لا أَصْلَ له. و يقولُ الرَّجُل: و اللَّه ما تَمَنَّيْت هذا الكلامَ و لا اخْتَلَقْته.
و المُنْيَةُ ، بالضَّمِّ و يُكْسَرُ ؛ عن ابنِ سِيدَه، و اقْتَصَر الجَوْهرِي على الضم. و نَقَلَ ابنُ السِّكِّيت عن الفرَّاء الضم و الكسَر معاً؛ و المَنْوَةُ [٨] ، بالفتح، كذا في النسخِ و الصَّوابُ المَنُوَّةُ ، بفتحٍ فضمٍ فتَشْديدِ واو؛ أَيامُ النَّاقةِ التي لم يُسْتَيْقَنْ ؛ و في المُحْكم: لم يَسْتَبِنْ؛ فيها لِقاحُها من حِيالها. و يقالُ للناقَةِ في أَوَّل ما تُضْرَبُ: هي في مُنْيَتِها ، و ذلك ما لم يَعْلَموا بها حَمْل أَمْ لا. فمُنْيَةُ البِكْرِ التي لم تَحْمِلْ عَشْرُ لَيالٍ و مُنْيَةُ الثَّنيِّ: و هو البَطْنُ الثَّاني، خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، قيلَ: و هي مُنْتَهى الأيَّام ثم بَعْد مُضِي ذلكَ تُعْرَفُ أَلاقحٌ هي أمْ لا ؛ هذا نَصُّ ابنِ سِيدَه.
و قال الجَوْهرِي: مُنْيَةُ الناقَةِ الأيامُ التي يُتَعَرَّفُ فيها أَلاقحٌ هي أَمْ لا، و هي ما بينَ ضِرابِ الفَحْلِ إيَّاها و بينَ خَمْس عَشْرَةَ لَيْلة، و هي الأيَّام التي يُسْتَبْرَأُ فيها لَقاحُها من حِيالِها. يقالُ: هي في مُنْيَتها ، انتهى.
و قال الأصْمعي: المُنْيَةُ مِن سَبْعَةِ أَيَّام إلى خَمْسَة عَشَرَ يَوْماً تُسْتَبْرأُ فيها الناقَةُ تردُّ إلى الفَحْل فإن قرَّت عُلِم، أنَّها لم تَحْمِلْ، و إن لم تقرّ عُلِمَ أنَّها قد حَمَلَتْ؛ نقلَهُ القالِي.
[١] من قصيدته بانت سعاد، شرح ابن هشام ص ٢٤.
[٢] سورة الحج، الآية ٥٢.
[٣] اللسان و في النهاية: «أول ليلة و آخرها.. » .
[٤] سورة البقرة، الآية ٧٨.
[٥] سورة الحج، الآية ٥٢.
[٦] سورة طه، الآية ١١٤.
[٧] سورة القيامة، الآية ١٦.
[٨] في القاموس: بالضم، و ضبطه عاصم بوزن غرفة.