تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٣٨ - يا يا
حيثُ تَمحضت اللاَّمُ للتَّعْوِيضِ مُضْمحلاً عنها مَعْنى التَّعْريفِ اسْتِغْناءً بالتَّعْريفِ النُّدائِي، و قد شَذَّ:
مِن أجْلِكِ يا التي تَيَّمْتِ قَلْبي # و أَنتِ بَخِيْلةٌ بالوَصْلِ عَنِّي
و أَبْعد منه قوله:
فيا الغُلامانِ اللذان فَرَّا # إيَّا كُما أَنْ تَكْسَبا ناشِرا
و إذا كُرِّر المُنادَى في حالِ الإضافَةِ جازَ فيه نَصْب الاسْمَيْن على حَذْفِ المُضاف إليه مِن الأوَّل، أَو على إقْحامِ الثاني بينَ المُضافِ و المُضافِ إليه و ضَمّ الأوَّل، نحو:
يا تَيْم تَيْم عَدِيّ لا أَبَا لَكُم
و إذا أُضِيفَ المُنادَى إلى ياءِ المُتَكلِّم جازَ إسْكانُ الياءِ و فَتْحُه كما في غَيْرِ النِّداءِ و حذفه اجْتِزاء بالكسْرةِ إذا كانَ قَبْله كَسْرة، و هو في غَيْر النِّداءِ قَليلٌ، و إبْدالُه أَلفاً و لا يَكادُ يُوجَدُ في غَيْر النِّداءِ نحو: يا ربا تَجاوَز عنِّي، و عليه يُحْمَلُ ١٦- الحديثُ أنْفِقْ بِلالاً. فيمَنَ رَوَى» [١] ، و تاء تَأْنِيث في يا أَبَتِ و يا أَمَتِ خاصَّةً، و جازَ فيه الحَرَكات الثَّلاث، و حَكَى يُونُسُ يا أَب و يا أُم، و الوَقْف عليه بالهاءِ عنْد أَصْحابِنا، و جازَ الألفَ دونَ الياءِ نحو:
يا أَبا عَلَّكَ أَو عَساكَا
و قولُها:
يا أَمتا أبصرني راكبٌ # يَسيرُ في مُسْحَنْفرٍ لاحبِ
و يا ابنَ أُمِّ و يا ابنَ عَمِّ خاصَّةً مِثْلُ بابِ يا غُلام. و جازَ الفَتْح كخَمْسَةَ عَشَرَ تَجْعَلُ الاسْمَيْن اسْماً واحِداً. انتَهَى ما أَوْرَدَه صاحِبُ اللُّبابِ. و إنَّما ذَكَرْته بكَمالِه لتَمامِ الفائِدَةِ؛ و هو تاجُ الدِّيْن محمدُ بنُ محمدِ بن أَحمدَ المَعْروفُ بالفاضِلِ، رَحِمَه اللََّه تعالى، و على كتابِه هذا شُرُوحٌ عِدَّة. و قال الجَوْهري: الياءُ مِن حُروفِ الزِّياداتِ، و هي مِن حُروفِ المَدِّ و اللِّينِ، و قد يُكنى بها عن المُتَكلِّمِ المَجْرورِ، ذكراً كانَ أَو أُنْثى، نحو قولِكَ ثَوْبي و غُلامِي، و إنْ شِئتَ فَتَحْتَها، و إنْ شِئْتَ سَكَّنْت، و لكَ أن تَحْذِفَها في النِّداءِ خاصَّةً، تقول: يا قوْمكِ و يََا عِبََادِ* ، بالكسْر، فإنْ جاءَتْ بعْدَ الألفِ فتحْتَ لا غَيْرُ نحو عَصايَ و رَحايَ، و كَذلكَ إن جاءَتْ بعْدَ ياءِ الجَمْعِ كقوله تعالى:
وَ مََا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [٢] ، و أَصْلُه بمُصْرِخِيني، سقطَتِ النونُ للإضافَةِ، فاجْتَمَعَ السَّاكنانِ فحرِّكَتِ الثانيةُ بالفَتْح لأنَّها ياءُ المُتَكلِّم رُدَّتْ إلى أَصْلِها، و كَسَرَها بعضُ القُرَّاءِ تَوَهُّماً أَنَّ السَّاكنَ إذا حُرِّكَ حُرِّك إلى الكَسْر، و ليسَ بالوَجْه، و قد يُكْنى بها عن المُتَكلِّم المَنْصوبِ إلاَّ أنَّه لا بُدَّ مِن أَنْ تُزادَ قَبْلها نُونُ وِقايَةٍ للفِعْلِ ليَسْلَم مِن الجَرِّ، كقولِكَ: ضَرَبَني، و قد زِيدَتْ في المَجْرورِ في أَسْماءٍ مَخْصُوصةٍ لا يُقاسُ عليا نحو مِنِّي و عَنِّي و لَدُنِّي و قَطْني، و إنَّما فَعَلُوا ذلكَ ليَسْلَم السُّكون الذي بُنيَ الاسْمُ عليه، انتَهَى.
و في المُحْكمِ: يا حَرْفُ نِداءٍ، و هي عامِلَةٌ في الاسمِ الصَّحِيحِ و إن كانتْ حَرْفاً، و القولُ في ذلكَ أَنَّ لِيا في قِيامِها مَقامَ الفِعْلِ خاصَّةً ليسَتْ للحَرْف [٣] ، و ذلك أَنَّ الحُرُوفَ قد تَنُوبُ عن الأفْعالِ كهَلْ فإنَّها تَنُوبُ عن أَسْتَفْهِمْ، و كما و لا فإنَّهما يَنُوبانِ عن أَنْفِي و إلاَّ يَنُوبِ عن أَسْتَثْني، و تِلْكَ الأفْعالُ النائِبَةُ عنها هذه الحروفُ هي الناصِبَةُ في الأصْلِ، فلمَّا انْصَرَفَتْ عنها إلى الحَرْف طَلَباً للإيجازِ و رَغْبةً عن الإكْثارِ أَسْقَطْتَ عَمَلَ تلْكَ الأَفْعالِ ليَتِمَّ لكَ ما انْتَحَيْتَه من الاخْتِصارِ، و ليسَ كذلكَ يا ، و ذلكَ أَنَّ يا نَفْسَها هي العامِلُ الواقِعُ على زَيْدٍ، و حالُها في ذلك حالُ أَدْعُو و أُنادِي، فيكونُ كلُّ واحِدٍ منهما هو العامِلُ في المَفْعولِ، و ليسَ كَذلكَ ضربْتُ و قتلْتُ و نحوه، و ذلكَ أَنَّ قَولَكَ ضربْتُ زَيْداً و قتلْتُ بِشْراً العاملُ الواصلُ[إليهما [٤] ]المُعَبَّرُ بقولِكَ ضربْتُ عنه و ليس هو
[١] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: فيمن روى، كذا بخطه، و لعله فيمن روى بلالاً بالفتح» .
[٢] سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
[٣] اللسان: للحروف.
[٤] زيادة عن اللسان.