تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٩٨ - لا لا
زَيْدٌ و بينَ رَجُل و زَيْد عُمُومٌ و خُصُوصٌ مُطْلَقٌ و بينَ كَاتِب و شَاعِر عُمُوم و خُصُوص مِن وَجْه كالحَيَوانِ و كالأَبْيَض، و إذا امْتَنَع جاءَ رَجُل لا زَيْد كما قالوه فهل يَمْتَنِع ذلكَ في العامِّ و الخاصِ مِثْل قامَ الناسُ لا زَيْد، و كيفَ يمنعُ أَحدٌ مع تَصْريح ابنِ مالِكٍ و غيرِه بغيَّةِ قامَ الناسُ و زَيْدٌ، و لأيِّ شيءٍ يَمْتَنع العَطْف بِلا في نحو ما قامَ إلاَّ زَيْدٌ لا عَمْرو، و هو عَطْفٌ على مُوجبٍ لأنَّ زَيْداً مُوجبٌ و تعْلِيلهم بأنه يلْزمُ نَفْيه مَرَّتَيْن ضَعِيف لأنَّ الإطْنابَ قد يَقْتَضِي مِثْلَ ذلكَ لا سيَّما و النَّفْي الأوَّل عامٌّ و النَّفْي الثاني خاصٌّ، فأَسْوأُ دَرَجاتِه أَنْ يكونَ مِثْل ما قامَ الناسُ و لا زَيْد؛ هذا جُمْلةَ ما تضمَّنَه كتابك في ذلكَ، بارَكَ اللََّه فيك.
و الجَوابُ: أَمَّا الشَّرْط الذي ذَكَره أَبو حيَّان في العَطْفِ بِلا ، فقد ذَكَرَه أَيْضاً أَبو الحَسَنِ الأبدي في شَرح الجَزُوليَّة فقالَ: لا يُعْطَفُ بِلا إلاَّ بشَرْطٍ و هو أَنْ يكونَ الكَلامُ الذي قَبْلها يتضَمَّنُ بمفْهومِ الخِطابِ نَفْي الفِعْل عمَّا بَعْدَها، فيكونُ الأوَّل لا يَتَناوَلُ الثاني نحو قوله جاءَني رجُلٌ لا امْرَأَة، و جاءَني عالِمٌ لا جاهِلٌ، و لو قُلْتَ: مَرَرْتُ برجُلٍ لا عَاقِل لم يجزْ لأنَّه ليسَ في مَفْهومِ الكَلامِ الأوَّل يَنْفِي الفِعْلَ عن الثاني، و هي لا تَدْخُل إلاَّ لتَأْكيدِ النَّفْي فإنْ أَرَدْتَ ذلكَ المَعْنى جِئْتَ بغَيْر فتقولُ:
مَرَرْتُ برَجُلٍ غَيْر عَاقِلَ و غَيْر زَيْد، و مَرَرْت بِزَيْدٍ لا عَمْرو، لأنَّ الأوَّل لا يَتَناوَلُ الثاني.
و قد تضمَّنَ كلامُ الأبدي هذا زِيادَةً على ما قالَهُ السَّهيلي و أَبو حيَّان، و هي قوله: إنَّها لا تَدْخُل إلاَّ لتَأْكِيدِ المنَّفْي، و إذا ثَبَتَ أَنَّ لا لا تَدْخُلُ إلاَّ لتَأْكيدِ النَّفْي اتَّضَحَ اشْتِراط الشَّرْط المَذْكُور، لأَنَّ مَفْهوم الخِطابِ اقْتَضَى في قولِكَ قامَ رجُلٌ نَفْيَ المَرْأَةِ فدَخَلَتْ لا للتَّصْريحِ بما اقْتضاهُ المَفْهُوم، و كذلكَ قامَ زَيْدٌ لا عَمْرو، أمَّا قامَ رجُلٌ لا زَيْد فلم يَقْتضِ المَفْهوم نَفْي زَيْد فلذلكَ لم يجزْ العَطْفُ بِلا لأنَّها لا تكونُ لتَأْكِيدِ نَفْي بل لتأَسِيسِه، و هي و إن كانَ يُؤْتَى بها لتَأْسِيسِ النَّفْي فكذلكَ في نَفْيٍ يقصدُ تَأْكِيدُه بها بخِلافِ غيرِها مِن أَدَواتِ النَّفي كلَمْ و ما، و هو كَلامٌ حَسَنٌ.
و أَيْضاً تَمْثِيل ابن السَّراج فإنَّه قالَ في كتابِ الأُصول:
و هي تَقَعُ لإخْراجِ الثاني ممَّا دَخَلَ فيه الأوَّل، و ذلكَ قوله: ضَرَبْت زيْداً لا عَمْراً، و مَرَرْتُ برجُلٍ لا امْرأَةٍ، و جاءَني زَيْدٌ لا عَمْرو، فانْظُرْ أَمْثِلَته لم يَذْكُر فيها إلاَّ ما اقْتَضاهُ الشَّرْطُ المَذْكُور.
و أيْضاً تَمْثِيل جَماعَة مِن النُّحاة منهم ابن الشَّجَري في الأمالِي قالَ: إنَّها تكونُ عاطِفَةً فتَشْركُ ما بَعْدَها في إعْرابِ ما قَبْلها و تَنْفي عن الثاني ما ثَبَتَ للأوَّل كقولك:
خَرَجَ زَيْدٌ لا بكر، و لَقِيتُ أَخاكَ لا أَباكَ، و مَرَرْتُ بحَمِيكَ لا أَبِيكَ، و لم يَذْكُر أَحدٌ مِن النّحاةِ في أَمْثلتِه ما يكونُ الأوَّل فيه يحتملُ أَن يَنْدرجَ فيه الثاني، و خَطَرَ لي في سَبَبِ ذلكَ أَمْران: أَحَدُهما: أَنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، فهذه القاعِدَةُ تَقْتَضِي أنَّه لا بُدَّ في المَعْطوفِ أنْ يكونَ غَيْرَ المَعْطوفِ عليه، و المُغايَرَةُ عنْدَ الإطْلاقِ تَقْتَضِي المُبايَنَةَ لأنَّها المَفْهومُ منها عنْدَ أَكْثَر الناسِ و إنْ كانَ التَّحْقيقُ أنَّ بينَ الأعَمِّ و الأخَصِّ و العامِّ و الخاصِّ و الجُزْء، و الكُلِّ مغايَرَةً، و لكنَّ المُغايَرَةَ عنْدَ الإطْلاقِ إنَّما تَنْصرِفُ إلى ما لا يصدقُ أَحَدُهما على الآخرِ، و إذا صحَّ ذلكَ امْتَنَعَ العَطْفُ في قَوْلك جاءَ رجُلٌ و زَيْد لعَدَمِ المُغايَرَةِ، فإن أَرَدْتَ غَيْرَ زَيْدٍ جازَ و انْتَقَلَتِ المَسْأَلةُ عن صُورتِها، و صارَ كأَنَّك قُلْتَ: جاءَ رجُلٌ غَيْر زَيْد لا زَيْد، و غَيْر زَيْد لا يصدقُ على زَيْد و مَسْأَلَتُنا إنَّما هي فيمَا اذا كانَ رجُلٌ صادِقاً على زيْدٍ مُحتملاً لأنْ يكونَ إيَّاه، فإنَّ ذلكَ مُمْتَنِع للقاعَدِةِ التي تَقَرَّرْتْ و جَرَتْ للمُغايَرَةِ بينَ المَعْطوفِ و المَعْطوفِ عليه، و لو قُلْتَ جاءَ زَيْدٌ و رَجُل كانَ مَعْناهُ و رَجُل آخَر لمَا تقرَّرَ مِن وُجوبِ المُغايرَةِ، و كَذلكَ لو قلْتَ جاءَ زَيْدٌ لا رَجُل وَجَبَ أن يقدَّرَ لا رَجُلٌ آخَرُ، و الأصْلُ في هذا أنَّا نُريدُ أَنْ نُحافِظَ على مَدْلولاتِ الألْفاظِ فيَبْقى المَعْطوفُ عليه على مَدْلُولِه مِن عُمُومٍ أَو خُصوصٍ أَو إطْلاقٍ أَو تَقْييدٍ، و المَعْطوفُ على مَدْلُولهِ كذلكَ، و حَرْفُ العَطْفِ على مَدْلُولِه و هو قد يَقْتَضِي تَغْيير نِسْبَة الفِعْل إلى الأوَّل كأوْ فإنَّها تغيِّرُ نِسْبَته مِنَ الجَزْمِ إلى الشَّكِّ كما قالَ الخليلُ في الفَرْقِ بَيْنها و بينَ أما، و قيلَ بالإضْرابِ عن الأوَّل، و قد لا تَقْتَضِي تَغْيير نِسْبَة الفِعْل إلى الأوَّلِ بل زِيادَة عليه، بل زِيادَة حُكْم آخر و لا مِن هذا القَبِيل فيجبُ علينا المُحافَظَة على مَعْناها مع بَقاءِ