تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٨٠ - وحي وحى
المَمْدودُ الخفيُّ، قالَ: و الرَّعْدُ يَحيى وَحاةً ؛ ج أَي جَمْعُ الوَحْيِ بمعْنَى الكِتابِ، كما في الصِّحاح، وُحِيٌّ ، كحَلْي و حُلِيٍّ، أَنْشَدَ الجَوْهري للبيدٍ:
فَمَدَافِعُ الرَّيَّاتِ عُرِّيَ رَسْمُها # خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها [١]
أَرادَ: ما يُكْتب في الحِجارَةِ و يُنْقَش عليها.
و أَوْحَى إليه: بَعَثَهُ ؛ و منه الوَحْيُ إلى الأنْبياءِ، عليهم السلام.
قال ابنُ الأعْرابي: يقالُ أَوْحَى الرجلُ إذا بَعَثَ برَسُولٍ ثقَةٍ إلى عبْدٍ مِن عَبيدِهِ ثِقَة، انتَهَى.
و اللغةُ الفاشِيَةُ في القُرْآنِ أَوْحى بالألفِ و المَصْدَر و المُجَرَّد، و يَجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ وَحَى إليه وَحْياً ، و الوَحْيُ ما يُوحِيه اللََّه إلى أَنْبيائِه.
قال ابنُ الأنْبارِي: سُمِّي وَحْياً لأنَّ الملكَ أَسَرَّه عن الخَلْق و خَصَّ به النَّبيَّ المَبْعوثَ إليه. و أَصْلُ الإيحاءِ أنْ يَسرَّ بعضُهم إلى بعضٍ، كما في قولهِ تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىََ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً [٢] ؛ هذا أَصْلُ الحَرْف ثم قُصِرَ أَوْحاهُ على مَعْنى أَلْهَمَهُ. و قالَ أَبو إسحق: أَصْلُ الوَحْي في اللغةِ إعْلامٌ في خَفاءٍ، و لذلكَ صارَ الإلْهامُ يُسَمَّى وَحْياً .
قال الأزْهري: و كَذلكَ الإشارَةُ و الإيماءُ يُسَمَّى وَحْياً ، و الكِتابَةُ تُسَمَّى وَحْياً ، و قولهُ، عزَّ و جلَّ: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ [٣] مَعْناهُ إلاَّ أنْ يُوحَى إليه وَحْياً فيُعْلِمَه بمَا يَعْلمُ البَشَرُ أنَّه أَعْلَمَه، إمَّا إلْهاماً أَو رُؤْيا، و إمَّا أن يُنْزل عليه كتاباً كما أُنْزِل على موسَى، أَو قُرآناً يُتْلى عليه كما أنْزَله على سيِّدِنا محمد، صلّى اللّه عليه و سلّم، و كلُّ هذا إعْلامٌ و إن اخْتلَفَتْ أَسْبابُها و الكَلامُ فيها.
و قال الرَّاغبُ: أَصْلُ الوَحْي الإشارَةُ السَّريعَةُ و ذلكَيكونُ بالكَلامِ على سَبيلِ الرَّمْز و التَّعْرِيضِ، و يكونُ بصَوْتٍ مُجرَّدٍ عن التّرْكيبِ، و بإشارَةِ بعضِ [٤] الجَوارِح بالكِتابَةِ و غَيْر ذلكَ، و يقالُ للكَلِمَةِ الإلهيةِ التي تُلْقى إلى أَنْبيائِه و أَوْليائِه وَحْيٌ ، و ذلكَ إمَّا برَسُولٍ مُشاهِد تُرى ذَاته و يُسْمع كَلامه كتَبْلِيغ جِبْريل في صُورَةٍ مُعَيَّنة، و إمَّا بسماع كَلام مِن غَيْر مُعاينةٍ كسماعِ موسَى كَلامَه تعالى، و إمَّا بإلْقاء في الرَّوْعِ ١٤- كحديث : «إنَّ جِبرْيل نَفَثَ في رَوْعي.
و إمَّا بإلْهام نَحْو أَوْحَيْنََا إِلىََ أُمِّ مُوسىََ [٥] ، و إمَّا بتَسْخيرٍ نَحْو: أَوْحىََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ [٦] ، و إمَّا بمَنامٍ كما دلَّ عليه: ١٦- حديثُ : «انْقَطَع [٧] و بَقِيَت المُبَشِّرات رُؤْيا المُؤْمِن» .
و أَوْحَتْ نَفْسُهُ : إذا وَقَعَ فيها خَوْفٌ.
و الوَحَى ، كالفَتَى: السَّيِّدُ الكبيرُ مِن الرِّجالِ؛ قال الشاعرُ:
و عَلِمْتُ أَني إن عَلِقْتُ بحَبْلِه # نشِبَتْ يَدايَ إلى وَحًى لم يَصْقَعِ
يريدُ: لم يَذْهَب عن طريقِ المَكارِمِ، مُشْتقُّ مِن الصَّقْع.
و الوَحَى : النَّارُ. و قال ثَعْلب: سأَلْتُ ابنَ الأعْرابي:
ما الوَحَى ؟قالَ: المَلِكُ ، فقلْتُ: و لمَ سُمِّي بذلكَ؟قالَ:
كأنَّه مِثْلُ النارِ يَنْفَعُ و يَضُرُّ.
و الوَحَى : العَجَلَةُ ، يقولونَ: الوَحَى الوَحَى العَجلَةُ العَجَلَةُ.
و الوَحَى : الإسْراعُ. و في الصِّحاح و التَّهذِيب: السُّرعَةُ؛ قالَ الجَوْهرِي:
يُقْصَرُ و يُمَدُّ. و الوَحَاء الوَحَاء يَعْني البِدارَ البِدارَ و اقْتَصَرَ الأزْهري على المَدِّ؛ و الصَّحِيحُ أنَّهم إذا جَمَعُوا بَيْنهما مَدّوا و قَصَرُوا، فإذا أَفْرَدُوه مَدُّوه و لم يَقْصُروه؛ قال أَبو النجْم:
[١] من معلقته، ديوانه ص ١٦٣ و اللسان و التهذيب و عجزه في الصحاح.
[٢] سورة الأنعام، الآية ١١٢.
[٣] سورة الشورى، الآية ٥١.
[٤] في المفردات: و بإشارةٍ ببعض الجوارح.
[٥] سورة القصص، الآية ٧.
[٦] سورة النحل، الآية ٦٨.
[٧] في المفردات: انقطع الوحي.