تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٣٦ - يا يا
و الجُمْلَةِ الإسْمِيَّةِ نحوُ قولِ الشَّاعرِ:
يا لَعْنَةُ اللَّهِ و الأَقْوامِ كُلِّهِمِ # و الصالِحِينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ [١]
فهي في كلِّ ما ذُكِرَ للنِّداءِ، و المُنادَى مَحْذوفٌ عنْدَ الدَّلالةِ.
قال الجَوْهري: و أَمَّا قولُه تعالى: أَلا يَا اسْجُدوا للَّهِ بالتَّخْفيفِ، فالمَعْنى ألا يا هَؤُلاء اسْجُدوا، فحُذِفَ المُنادَى اكْتِفاء بحرْفِ النِّداءِ كما حُذِفَ حِرْفُ النِّداءِ اكْتِفاءً بالمُنادَى في قولِه تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هََذََا إذ كانَ المُرادُ مَعْلوماً؛ و قال بعضُهم: إنَّ يا في هذا المَوْضِعِ إنَّما هو للتَّنْبيهِ كأَنَّه قال: أَلاَ اسْجُدُوا، فلمَّا أُدْخل عليه يا للتَّنْبيهِ سَقَطَتِ الألفُ التي في اسْجُدُوا لأنَّها أَلفُ وَصْلٍ، و ذَهَبتِ الألفُ التي في يا لاجْتِماعِ السَّاكِنَيْنِ لأنَّها و السِّين ساكِنَتانِ، انتَهَى.
و كَذلكَ القَوْلُ في بَقِيَّة الأَمْثِلةِ التي ذَكَرَها المصنِّفُ من تَقْديرِ المُنادَى: ألا يَا خَلِيليَّ اسْقِياني، و يا قَوْم لَيْتَني، و رُبّ.
أَو لمُجَرَّدِ التَّنْبيهِ لئَلاَّ يَلْزَمَ الإجْحافُ بحَذْفِ الجُملِةِ كُلِّها ؛ و هو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَه الجَوْهرِي مِن القولِ الثاني في الآيةِ.
أَو إنْ وَلِيَها دُعاءٌ أَو أَمْرٌ فللنِّداءِ ؛ كقول ذِي الرُّمَّة:
ألاَ أيا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ على البِلى [٢]
و إلاَّ فللتَّنْبيهِ. قال شيْخُنا: و هذا القَوْلُ هو المُختارُ مِن الثلاثَةِ لوُجُوهٍ ذَكَرَها شُرَّاح التَّسْهيل. ثم اعْلَم أنَّ المصنِّفٍ ذَكَرَ حَرْفَ النِّداءِ و اسْتَطْرَدَ لبعضِ أَحْكامِ المُنادَى مع إخْلالٍ بِأَكْثَرَها و نحن نلمُّ بها بالقَوْلِ المُوجَزِ.
قال صاحِبُ اللّبابِ: إذا قلْتَ يا عبْدَ اللَّهِ، فالأصْلُ: يا إيَّاك أَعْنِي، نَصَّ عليه سيبويه، فأُقِيم المُظْهَر مَقام المُضْمَر تَنْبيهاً للمُخاطَبِ أنَّ القَصْدَ يتوجَّه إليه لا غَيْر، ثم حَذْف الفِعْلِ لازِماً لِنيابَةِ يا عنه، و لمَا في الحذْفِ من رَفْعِ اللّبْسِ بالخَبَرِ؛ و حُكِي يا إيَّاك، و قد قالوا أَيْضاً يا أَنْتَ نَظَرٌ إلى اللّفْظِ؛ قالَ الشاعرُ:
يا أَقْرَع بن جابِسِ يا أَنْتا # أَنْتَ الذي طعلَّقْتَ عامَ جِعْتا
و قيل: إنَّما نصبَ أيا لأنَّه مُضافٌ و لا يَجوزُ نَصْبُ أَنتَ لأنَّه مُفْردٌ ثم إنَّه يَنْتَصِب لَفْظاً كالمُضافِ و المُضارِعِ له، و هو ما تَعَلَّق بشيءٍ هو مِن تمامِ مَعْناه نحو: يا خَيْراً مَن زَيْدٍ و يا ضارِباً زَيْداً و يا مَضْرُوباً غُلامُه و يا حَسَناً وَجْهَ الأخِ و يا ثلاثَةَ و ثَلاثِيْن اسْمِ رَجُلٍ، و انْتَصَب الأوَّل للنِّداءِ و الثاني ثباتاً على المِنْهاج الأوَّل الذي قَبْل التَّسْميةِ، أَعْنِي مُتابَعَةَ المَعْطوفِ عليه في الإعْرابِ و إن لم يَكُنْ فيه مَعْنى عَطْفٍ على الحَقِيقَةِ؛ و النَّكِرَةُ إمَّا مَوْصُوفَة نحو: يا رَجُلاً صالِحاً، و عَوْد الضَّميرِ مِن الوَصْفِ على لَفْظِ الغيبةِ لا غَيْر نحو:
يا لَيْلة سَرَقْتها من عُمْري
أَو غَيْر مَوْصوفَةٍ كقَوْلِ الأعْمى لمَنْ لا يَضْبِطه: يا بَصيراً خُذْ بِيَدِي، أو مَحلاًّ كالمُفْردِ المَعْرفَةِ مُبْهماً أَو غَيْرَ مُبْهمِ فإنَّه يُبْنى على ما يُرْفَعُ به نحو: يا زَيْد، و يا رَجُلَ، و يا أَيّها الرَّجُل، و يا زَيْدَانِ، و يا زَيْدُونَ، لوُقُوعِه مَوْقِع ضَمِيرِ الخِطابِ، و لم يُبْنَ المُضافُ لأنَّه إنَّما وَقَعَ مَوْقِعَه مع قَيْدِ الإضافَةِ، فلو بُنيْ وَحْدُه كانَ تَقْديماً للحُكْم على العِلَّةِ و نِدَاء العَلَم بَعْد تَنْكِيرِه على رأْيٍ، و أمَّا قولُه
سَلامُ اللَّهِ يا مَطَر عليها
فقَبِيحٌ بَعِيدٌ عن القِياسِ شَبَّهه ببابِ ما لا يَنْصرفُ أَو الدَّاخِل عليه اللاّم الجارَّة للاسْتِغاثَةِ أَو التَّعَجُّبِ، و اللاّم مَفْتوحَة بخِلافِ ما عُطِفَ عليه فَرْقاً بينَ المَدْعُوِّ و المَدْعُو إليه، و الفَتْحة به أَوْلى منها بالمُدْعُو إليه ١٧- كقول عُمَر بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللََّه تعالى عنه : « يا للَّهِ للمُسْلِمِين و يا للْعَجَبِ» . و قولُهم يا للبَهِيتَةِ و يا للفَلِيتَةِ و يا للعَضِيهَةِ على تَرْكِ المَدْعُوِّ، و يَدْخلُ الضَّمِير نحوُ: فيَا لَكَ مِن لَيْلٍ. و:
[١] البيت من شواهد القاموس، و الشاهد ٧٠٣ من شواهد المغني. و لم ينسبوه.
[٢] ديوانه ص ٢٠٦ و عجزه:
و لا زال منهلا بجرعائك القطرُ
و البيت في اللسان و الصحاح.