تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٤١ - نسي نسي
يَشاءُ أَن يَنْسَى ، قالَ: و هذا القولُ عنْدِي غيْرُ جائِزٍ، لأنَّ اللّه تعالى قد أَخْبَر النبيَّ، صلّى اللّه عليه و سلّم، في قولِه: وَ لَئِنْ شِئْنََا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنََا [١] ، أنَّه لا يَشاءُ أَن يَذْهَبَ بما أَوْحَى به إلى النبيِّ، صلّى اللّه عليه و سلّم، قالَ و قولهُ: فَلاََ تَنْسىََ ، أَي فلسْتَ تَتْرُك إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ أَن يَتْرُك، قالَ: و يجوزُ أَن يكونَ إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ ممَّا يَلْحَق بالبَشَرِيَّة ثم يَذْكُر بعْدُ ليسَ أنَّه على طرِيقِ السّلْب للنبيِّ، صلّى اللّه عليه و سلّم شيئاً أُوتِيَه مِن الحِكْمةِ، قالَ: و قيلَ في قولهِ تعالى: أَوْ نُنْسِهََا قولٌ آخَرُ، و هو خَطَأٌ أَيْضاً، و نَتْرُكُهَا، و هذا إنَّما يقالُ فيه نَسِيت إذا تَرَكْت، و لا يقالُ أُنْسِيت تَرَكْت، قالَ: و إنَّما مَعْنى أَوْ نُنْسِهََا أَي نَأْمُرْكُم بتَرْكِها.
قال الأزْهري: و ممَّا يقوِّي هذا ما رُوِي عن ثَعْلَب عن ابنِ الأعْرابي أنَّه أَنْشَدَه:
إنَّ عليَّ عُقْبةً أَقْضِيها # لَسْتُ بناسِيها و لا مُنْسِيها [٢]
قال بناسِيها بتارِكِها، و لا مُنْسِيها : و لا مُؤخِّرها، فوافَقَ قولُ ابن الأعْرابي قولَه في النَّاسِي إنَّه التَّارِكِ لا المُنْسِي ، و اخْتَلَفا في المُنْسِي .
قالَ الأزْهرِي: و كأنَّ ابنَ الأعْرابي ذَهَبَ في قولِه: و لا مُنْسِيها إلى تَرْكِ الهَمْز مِن نسأ أَنْسَأْتُ الدَّيْن إذا أَخَّرْته، على لُغَةِ مَنْ يُخَفِّفُ الهَمْزةَ.
هذا ما ذَكَرَه أَهْلُ اللغةِ في النِّسْيان و الإنْساءِ . و أَمَّا إطْلاقُ المُنْسِي على اللّه تعالى هل يَجوزُ أَو لا، فقد اخْتَلَفَ فيه أَهْلُ الكَلام، و غايَةُ مَن احْتَج بعدَم إطْلاقِه على اللّه تعالى أنَّه خِلافُ الأدَبِ، و ليسَ هذا محلُّ بَسْطه، و إنَّما أَطَلْتُ الكَلامَ في هذا المجال، لأنَّه جَرَى ذِكْرُ ذلكَ في مجْلِسِ أَحَدِ الأُمرَاءِ في زمانِنا فحصَلَتِ المُشاغَبَةُ مِن الطَّرفَيْن و أَلَّفُوا في خُصوصِ ذلكَ رسائِلَ، و جَعَلوها للتَّقَرُّبِ إلى الجاهِ وسائِلَ، و الحَقُّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَع و هو أَعْلَم بالصَّواب. و النِّسْيُ بالكسر و يُفْتَحُ ، و هذه عن كُراعٍ ما نُسِيَ . و قالَ الأخفش هو ما أُغْفِلَ مِن شيءٍ حَقِيرٍ و نُسِيَ .
و قال الزجَّاج: هو الشيءُ المَطْروحُ لا يُؤْبَه له؛ قال الشَّنْفَرَى:
كأنَّ لها في الأرضِ نِسْياً تَقُصُّه # على أمِّها أَو إن تُخاطِبْكَ تَبْلَتِ [٣]
و قال الرَّاغبُ: النِّسْيُ أَصْلُه ما يُنْسَى كالنّقْض [٤] لمَا يُنْقَضُ، و صارَ في التَّعارُفِ اسْماً لمَا يقل الاعْتِدادُ به، و منه قولهُ تعالى حِكايَةً عن مَرْيم: و كُنْت نِسْياً مَنْسِيًّا [٥] ، و أَعْقَبَه بقولِه: مَنْسِيًّا لأنَّ النِّسْيَ قد يقالُ لمَا يقل الاعْتِدادُ به و إن لم يُنْسَ ، قالَ: و قُرِىءَ نَسْياً ، بالفَتْح [٦] ، و هو مَصْدَرٌ مَوْضوعٌ مَوْضِع المَفْعول.
و قال الفرَّاء: النِّسْيُ ، بالكسر و الفَتْح، ما تُلْقِيهِ المرأَةُ من خِرَقِ اعْتِلالِها ، مِثْلَ وتْرٍ و وَتْرٍ، قالَ: و لو أَرَدْتَ بالنِّسْي مَصْدَر النِّسْيان لجازَ، أَي في الآيَةِ.
و قال ثعْلَب: قُرِىءَ بالوَجْهَيْن، فمَنْ قَرَأَ بالكَسْر فعَنَى خِرَقَ الحَيْض التي يُرْمَى بها فتُنْسَى ، و مَنْ قَرَأَ بالفتح فمعْناهُ شيئاً مَنْسِيًّا لا أُعْرَفُ.
و ١٧- في حديثِ عائِشَةَ : «وَدِدْتُ أَنِي كُنْتُ نِسْياً مَنْسِيًّا » .
أَي شيئاً حَقِيراً مُطَّرَحاً لا يُلْتَفَتُ إليه.
و النَّسِيُّ ، كغَنِيٍّ: مَنْ لا يُعَدُّ في القوْمِ لأنَّه مَنْسِيٌّ .
و أيْضاً: الكثيرُ النِّسْيانِ يكونُ فَعِيلاً و فَعُولاً و فَعِيلٌ أَكْثَر لأنَّه لو كانَ فَعُولاً لقيلَ نَسُوّ أيْضاً.
كالنَّسْيانِ ، بالفتح ؛ نقلَهُ الجَوْهرِي.
[١] سورة الإسراء، الآية ٨٦.
[٢] اللسان و التهذيب.
[٣] المفضلية ٢٠ البيت ٩ برواية:
على أمها و إن تكلمك تبلتِ
و المثبت كرواية اللسان و الصحاح و فيهما «و إن» و المقاييس ٥/٤٢٢ كرواية المفضليات، و التهذيب.
[٤] عن المفردات، و بالأصل: كالنفض لما ينفض.
[٥] سورة مريم، الآية ٢٣.
[٦] في المفردات ضبط قلم: «نِسِيًّا» .