تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤١٨ - مهما مهما
يُفَسِّروها، و ذَكَرَ منهم ناسٌ أنَّ ما اسْتِفْهامٌ في اللّفْظِ تَعَجُّبٌ في المَعْنى و يَنْتَصِبُ شيئاً بكَلامٍ آخر، كأَنَّه قالَ:
دَعْ شيئاً هو غَيْر مَعْنيٍّ به، و دَعَ الشَّكَّ في أنَّه غَيْر مَعْنيٍّ به، فهذا أَقْرَبُ ما قيل في ذلكَ.
الثَّالثة:
ما قَدْ تكونُ زائِدَةً بَيْنَ الشَّرْط و الجَزاءِ كقوله تعالى: فَإِمََّا تَرَيِنَّ مِنَ اَلْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي [١] ، و قوله تعالى: فَإِمََّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنََّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [٢] ، المَعْنى أن نَذْهَب بكَ، و تكونُ النونُ جُلِبَتْ للتَّأكِيدِ في قولِ بعضِ النّحويِّين، و جائِزٌ في الكَلامِ إِسْقاطُ النونِ؛ أنْشَدَ أَبو زَيْدٍ:
زَعَمَتْ تماضر أنَّني إما أَمت # تسدّ و لشَوْهاء الأصَاغِر خُلَّتي
الرابعةُ:
ماذا قَدْ تأْتي بمعْنَى التّكْثيرِ كما أَثْبَته ابنُ حُبَيْش و استدلَّ له بنَحْو مائَةِ شاهِدٍ نقَلَها المقري في نَفْحِ الطِّيب، و أَغْفَلَها المصنِّفُ و أَكْثَر النَّحويِّين، و لم يَعْلَقْ بذهْنِي مِن تِلْكَ الشواهِدِ إلاَّ قولَ الشاعرِ:
و ما ذا بمِصْر مِن المُضْحِكَاتِ
فراجِعِ الكِتابَ المُذكورَ فإنَّه بَعُدَ عَهْدي به.
الخامسة:
ذُكِرَ في أَنْواعِ الكافَّةِ المُتَّصِلَةُ بالظُّروفِ ما يَتَّصِلُ ببَعْد و بَيْنَ، و قد تُكَفّ إذ و حيثُ بما عن الأضافَةِ، و الأوَّل للزَّمانِ و الثاني للمَكانِ، و يَلْزمُهما النَّصْبُ كما في اللَّبابِ.
السادسة:
قد تَأْتي فَبِما بمعْنَى رُبَّما ، أَنْشَدَ ابنُ الأعْرابي قولَ حسَّان:
إنْ يَكُنْ غَثَّ من رَقاشِ حَدِيثٌ # فبِما يأْكُلُ الحَدِيثُ السَّمِينا [٣]
قال: فبِما أَي رُبَّما . قال الأزْهري: و هو صَحِيحٌ مَعْروفٌ في كَلامِهم، و قد جاءَ في شِعْر الأعْشى و غيرِه.
مهما [مهما]
مَهْما : بَسيطَةٌ لا مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَهْ ، بمعْنَى أكْفُفْ، و ما ، صلَةٌ، و لا مِنْ مَا مَا خِلافاً لزاعِمِيهِما. و في الصِّحاحِ: زَعَمَ الخَليلُ أنَّ مَهْما أَصْلُها ما ضُمَّت إليها ما لَغْواً و أَبْدَلُوا الألِفَ هاءً. و قالَ سيبويه يَجوزُ أن تكونَ مَهْ كإذْ ضُمّ إليها ما، انتَهَى.
و قد أَلْغَزَ الحَرِيرِي في مَقامَاتِه عن مَهْما فقالَ: و ما اسْمُ الذي لا يُفْهم إلاَّ باسْتِفاضَةِ كَلِمَتَيْن، أَو الاقْتِصارُ منه على حَرْفَيْن و هو مَهْما و فيها قَولانِ: أَحدُهما: أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ و مِن ما، و القولُ الثاني و هو الصَّحِيحُ أنَّ الأصْلَ فيها ما فزِيدَتْ عليها ما أُخْرى كما تُزادُ ما على أن فصارَ لَفْظُها مَا مَا فثَقُلَ عليهم تَوالِي كَلِمَتَيْن بلَفْظٍ واحِدٍ فأبْدلُوا مِن الألِفِ الأُولى هاءً فصارَتا مَهُما ، قال و مَهْما مِن أَدَواتِ الشَّرْطِ و الجَزاءُ و مَتى لُفِظَتْ بها لم يتمَّ الكَلامُ إلاَّ بإيرادِ كَلِمَتَيْن بَعْدها كقولِكَ: مَهْما تَفْعَلْ أفْعَلْ، و يكونُ حينَئِذٍ مُلْتزماً للفِعْلِ، و إن اقْتَصَرْتَ منها على حَرْفَين و هُما مَهْ، التي بمعْنى اكْفُفْ، فُهِمَ المَعْنى، انتَهَى.
و لها ثلاثَةُ مَعانٍ:
الأوَّل: ما لا يَعْقِلُ غيرَ الزَّمانِ مع تَضَمُّنِ مَعْنَى الشَّرْطِ ، نحو قوله تعالى: مَهْمََا تَأْتِنََا بِهِ مِنْ آيَةٍ [٤] ، قال ابنُ فارِس: هي ما ضمت إلى مِثْلِها ثم جُعِلَتِ الألفُ في ما الأُوْلى هاءً كَراهَةً لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْن؛ و قالَ قَوْمٌ: إنَّ مَهْ بمعْنَى اكْفُفْ و تكونُ ما الثانية للشَّرْطِ و الجَزاءِ، و تَقْديرُ ذلكَ قالوا: مَهْ أَي اكُفُفْ ثم قال ما تأْتِنا به مِن آيةٍ.
الثَّاني: الزَّمانُ و الشَّرْطُ، فتكونُ ظَرْفاً لفِعْلِ الشَّرْطِ كقولهِ ، أَي الشَّاعرِ:
و إنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ # و فَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أَجْمَعا [٥]
و في اللّبابِ في ذِكْرِ الأسْماءِ المُتَضمِّنَةِ مَعْنى إنْ في كَوْنِها تَجْزِم المُضارع و هي ما و يَتَّصِلُ بها ما المَزِيدَة
[١] سورة مريم، الآية ٢٦.
[٢] سورة الزخرف، الآية ٤١.
[٣] ديوانه ط بيروت ص ٢٥٢ و فيه: «فبما نأكل» و المثبت كرواية اللسان.
[٤] سورة الأعراف، الآية ١٣٢.
[٥] البيت لحاتم، ديوانه ط بيروت ص ٦٨، و هو من شواهد القاموس، و الشاهد ٦١٧ من شواهد المغني منسوباً لحاتم.