تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤١٦ - ما ما
*قُلْتُ: و تبدلُ العامَّةُ أَيْضاً الهَمْزَةَ بالهاءِ مع ضَمِّها.
و قال اللَّيْثُ: قولُهم: إما لا فافْعَلْ كذا، إنَّما هي على مَعْنى إنْ لا تَفْعَلْ ذلكَ فافْعَلْ ذَا، و لكنَّهم لمَّا جَمَعُوا هَؤُلاء الأَحْرُفَ فصِرْنَ في مَجْرَى اللَّفْظِ مُثقلة فصَارَ لا في آخرِها، كأنَّه عَجُزَ كَلِمةٍ فيها ضَمِيرُ ما ذكَرَت لَكَ في كَلامٍ طَلَبْتَ فيه شيئاً فرُدَّ عَلَيْك أَمْرُكَ فقُلْت إمَّا لا فافْعَلْ ذا. و في المِصْباح [١] : الأَصْلُ في هذه الكَلِمةِ أنَّ الرَّجُلَ يَلْزمُه أَشْياءٌ و يُطالبُ بها فيَمْتَنع منها فيَقْنع منه ببعضِها، و يقال له إمَّا لا فافْعَلْ هذا، أَي إنْ لم تَفْعَل الجَمِيع فافْعَلْ هذا، ثم حُذِفَ الفِعْل لكَثْرَةِ الاسْتِعْمالِ و زِيدَتْ ما على إنْ تَوْكيداً لمَعْناها {fnfn(٢) . قالَ بعضهم: و لهذا تُمالُ لا هنا لنِيابَتِها عن الفِعْلِ كا أُمِيلَتْ بَلَى و يا في النِّداءِ، و مِثْلُه: مَنْ أَطاعَكَ فأَكْرِمْه و من لا فلا تَعْبَأْ به، و قيل:
الصَّوابُ عَدَمُ الإمالَةِ لأنَّ الحُروفَ لا تُمالُ..
و غَيْرُ العِوَضِ عن الفِعْل، يَقَعُ بعدَ الرَّفْعِ نحوُ: شَتَّانَ ما زَيْدٌ و عَمْرٌو ، و شَتَّانَ ما هُما، و هو ثابِتٌ في الفَصِيحِ و صَرَّحُوا بأنَّ ما زائِدَةٌ، و زَيْد فاعِلُ شَتَّانَ، و عَمْرٌو عَطْفٌ عليه؛ و شاهِدُه قولُ الأعْشى:
شَتَّانَ ما يَومي على كُورِها # و يومُ حيّانَ أخي جابرِ [٣]
كذا في أَدَبِ الكِتابِ [٤] لابنِ قتيبَةَ. و أَمَّا قولُهم شَتَّانَ ما بَيْنهما، فأثْبَتَه ثَعْلَب في الفَصِيح، و أَنْكَرَه الأصْمعي، و تقدَّمَ البَحْثُ فيه في شتت. و قولُه ، أَي مُهَلْهلُ بنُ ربيعَةَ أَخي كليبٍ لمَّا نزلَ بعدَ حَرْبِ البَسُوس في قَبائِل جنب فحَطَبُوا إليه أُخْتَه فامْتَنَعَ فأَكْرَهُوه حتى زَوّجَهم و قال:
أنكَحَها فقْدُها الأراقمَ في # جَنْبٍ و كان الخِبَاءُ من أَدَمِ
لَوْ بأَبانَيْنِ جاءَ يَخْطُبُها # ضرج
____________
١٢ *
ما أَنْفُ خاطِبٍ بدَمِ
هان على تَغْلبَ الذي لقيتْ # أخت بَني المالكينَ مِن جُشَمِ
لَيْسُوا بأَكْفائِنا الكِرام و لا # يُغْنون من غلَّةٍ و لا كرمِ [٥]
و بعدَ النَّاصِبِ الرافِعِ كقولِكَ: لَيْتَما زَيْدٌ قائِمٌ.
و بعدَ الجازِمِ ، كقولهِ تعالى: وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ* [٦] ، و قوله تعالى: أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنىََ [٧] ، وُصِلَ الجَزاء بما ، فإذا كانَ اسْتِفْهاماً لم يُوصَلْ بما و إنَّما يُوصَلُ إذا كانَ جَزاءً.
و بعدَ الخافِضِ حَرْفاً كانَ ، كقولهِ تعالى: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ [٨] ، و كَذلكَ قوله تعالى: فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ* [٩] ؛ و قوله تعالى: مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ [١٠] . و قال ابنُ الأنْبارِي في قولِه، عزَّ و جلَّ عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ [١١] : يجوزُ أَنْ يكونَ عَنْ قَلِيلٍ و ما تَوْكِيدٌ، و يَجوزُ أَنْ يكونَ المعْنى عن شيءٍ، قَلِيلٍ و عن وَقْتٍ قَلِيلٍ فيكونُ ما اسْماً غَيْر تَوْكِيدٍ، و مِثْلُه ممَّا خَطَاياهُمْ، يَجوزُ أَنْ يكونَ مِن إساءَةِ خَطَاياهُمْ و مِن أَعْمال خَطاياهُم، فتحْكُمُ على ما مِن هذه الجِهَةِ بالخَفْضِ، و تحْمِلُ الخَطايَا على إعْرابِها، و جَعَلْنا ما مَعْرِفَةً لإِتْباعِنا المَعْرِفَةَ إيَّاها أَوْلى و أَشْبَهُ، و كَذلكَ فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ* ، و ما تَوْكِيدٌ، و يَجوزُ أَنْ يكونَ التَّأْوِيلُ فبِإساءَتِهم نَقْضِهم مِيثاقَهُم. و قال ابنُ فارِس: و كثيرٌ مِن عُلمائِنا يُنْكِرُونَ زِيادَةَ ما و يقولونَ لا يَجوزُ أَنْ يكونَ في
____________
[١] انظر المصباح المنير في بحث «باب: لا» .
[٢] عبارة المصباح: زيدت ما على إن عوضاً عن الفعل.
[٣] ديوانه ط بيروت ص ٩٦.
[٤] كذا، و اسمه «أدب الكاتب» فأما «أدب الكتّاب» فمؤلفه محمد بن يحيى الصولي.
[١٢] (*) كذا في النسخ و عاصم: رُمِّلَ.
[٥] الأبيات في معجم البلدان «أبانان» و الأخير فيه برواية:
يغنون من عيلة و لا عدم
و الثاني من شواهد القاموس و الشاهد ٥٨٥ من شواهد المغني.
[٦] سورة الأعراف، الآية ١٩٩.
[٧] سورة الإسراء، الآية ١١٠.
[٨] سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[٩] سورة النساء، الآية ١٥٥.
[١٠] سورة نوح، الآية ٢٥.
[١١] سورة المؤمنون، الآية ٤٠.