تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤١٢ - ما ما
جَرَرْتها بحَرْفٍ جارٍّ، و إبْقاءُ الفَتْحةِ على ما قَبْل المَحْذُوفِ لتكونَ دَلِيلاً عليها ، أَي على الألِفِ المَحْذوفَةِ، كفِيمَ و إِلامَ و عَلامَ و لِمَ و بِمَ و عمَّ ، و رُبَّما تَبِعَتِ الفتحةُ الأَلِفَ في الشِّعْرِ ضَرُورةً نحوُ قولِ الشاعرِ:
يا أَبَا الأَسْوَدٍ لِمْ خَلَّفْتَنِي [١]
بسكونِ المِيم.
و إذا رُكِّبَت ما الاسْتِفْهامِيَّةُ مع ذا للإشارَةِ لم تُحْذَفْ أَلِفُها [٢] .
ثم شرعَ في بَيانِ ماذا و إنما لم يفردْ له تَرْكيباً مُسْتَقلاًّ لكَوْنه مُرَكَّباً مِن ما و ذا، و لذا ذَكَرَه بعضُ الأَئِمةِ في تَرْكيبِ ذا فقالَ: و ماذا : تأْتي على أَوْجُهٍ : .
أَحدُها : أَنْ تكونَ [٣] ما اسْتِفْهاماً و ذا إشارَةً نحوُ قولهم: ماذا التَّوانِي ، و ماذا الوُقوفُ [٤] ، تَقْديرُه: أَيّ شيءٍ هذا التَّواني و هذا الوقوف.
الثاني : أَنْ تكونَ [٣] ما اسْتِفْهاماً و ذا مَوْصولةً، كقولِ لبيدٍ:
أَلا تَسْأَلانِ المَرْء ماذا يُحاوِلُ # أَ نَحْبٌ فيُقْضى أَم ضَلالٌ و باطِلُ؟ [٥]
الثَّالث: يكونُ ماذا كُلّه اسْتِفْهاماً على التَّرْكِيبِ كقولِكَ: لماذا جِئْتَ.
الرابعُ: أَنْ يكونَ ماذا كُلُّه اسمَ جِنْسٍ بمعْنَى شيءٍ أَو بمعْنَى الذي ، قال اللَّيْثُ: يقالُ: ماذا صَنَعْتَ؟فتقولُ:
خَيْرٌ و خَيْراً، الرَّفْعُ على مَعْنى الذي صَنَعْت خَيْرٌ، و كَذلكَ رفع قول اللََّه، عزَّ و جلَّ: وَ يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلِ [٦]
اَلْعَفْوَ ، أَي الذي يُنْفِقُونَ هو العَفْوُ مِن أَمْوالِكُم. و قال الزجَّاج: مَعْنى مََا ذََا يُنْفِقُونَ على ضَرْبَيْن: أَحدُهما: أنْ يكونَ ذََا في معْنَى الذي و يكونَ يُنْفِقُونَ مِن صِلَتِه، المَعْنَى يَسْأَلُونَك أَيُّ شيء، يُنْفِقُونَ، كأَنَّه بَيَّنَ وجْهَ الذي يُنْفِقُون لأنَّهم يَعْلمونَ ما المُنْفَق، و لكنَّهم أَرادُوا عِلم وَجْهِه، قالَ: و جائِزٌ أَنْ يكونَ ما مع ذا بمنْزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، و يكون المَوْضِعُ نَصْباً ب يُنْفِقُونَ ، المَعْنى أَيُّ شيءٍ، يُنْفِقُونَ، قالَ:
و هذا إجْماعُ النَّحويِّين، و كذلكَ الأوَّل إجْماعٌ أَيْضاً، و قولهم: ما و ذا بمنْزلَةِ اسْمٍ واحِدٍ كقوله:
دَعِي ماذا عَلِمْتُ سأَتَّقِيهِ # و لكِن بالمُغَيَّبِ فنَبِّئينِي [٧]
و يُرْوى: و لكن بالمغيب نَبِّئينِي، و يُرْوى: خَبِّرِيني، كأَنّه بمعْنَى دَعِي الذي عَلِمْت.
و قال ابنُ فارِس: فأَمَّا قوله تعالى: مََا ذََا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ* [٨] ؟فقالَ قَوْمٌ: ما و ذا بمنْزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ. و قالَ آخَرُونَ: ذا بمعْنَى الذي مَعْناهُ ما الذي أنزلَ رَبُّكُم.
و تكونُ ما زائِدَةً و ذَا إشارَةً نحوُ قولِ الشَّاعرِ، هو مالِكُ ابنُ زغبةَ الباهِليّ:
أَنَوْراً سَرْعَ ماذا يا فَروقُ # و حَبْلُ الوَصْلِ مُنْتَكثٌ حَذِيقُ [٩]
أَرادَ: سرع فخفَّف، و المَعْنى أَنَوْراً و نفاراً يا فَروقُ، فما صِلَةٌ أَرادَ سَرْعَ ذا نَوْراً، و قد ذُكِرَ في سرع.
[١] من شواهد القاموس، و البيت الشاهد ٥٥٣ من شواهد المغني، و عجزه:
لهمومٍ طارقاتٍ و ذِكرْ.
[٢] على هامش القاموس: و تخرج بالتركيب عن استحقاق وجوب الصدرية، كما ورد في الصحيح. أقول: انظر ما نقله الصبان عن الشمني في إعراب الفعل، ا هـ. نصر.
[٣] في القاموس بالرفع، و النصب ظاهر.
[٤] تمامه:
ماذا الوقوف على نار و قد خمدت # يا طالما أقدت في الحرب نيران
حاشية مغني اللبيب ص ٣٦٥.
[٥] من شواهد القاموس، و الشاهد ٥٥٧ من شواهد المغني، و البيت في ديوانه ص ١٣١ مطلع قصيدة يرثي النعمان بن المنذر، و اللسان.
[٦] سورة البقرة، الآية ٢١٨.
[٧] من شواهد القاموس و فيه «بالمَغِيبِ» و المثبت ضبطه عن اللسان و مغني اللبيب الشاهد ٥٥٩ و فيهما «نبئيني» و انظر فيمن نسب إليه حاشية المغني ص ٣٩٦.
[٨] سورة النحل، الآية ٣٠.
[٩] صدره من شواهد القاموس و الشاهد ٥٦٠ من شواهد المغني و نسبه بحاشيته لزغبة الباهلي.