تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٩٢ - فاء فا
قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَى حَبيبٍ و مَنْزلِ # بسقْطِ اللِّوَى بينَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ [١]
قال شيْخُنا: هكذا ذَكَرُوه و اسْتَدلّوا بقولِ امْرىءِ القَيْسِ، و قالَ أَرْبابُ التَّحْقِيقِ: الصَّوابُ أنَّ هناكَ مُقَدَّراً يُناسِبُ البَيِّنيةَ و التَّقْدِير بينَ مَواضِع الدَّخُولِ فمَواضِع حَوْمَلٍ، فالفاءُ على بابِها كما مالَ إليه سيبويه و جماعَةُ و بَسطَه ابنُ هِشامٍ في المُغْني، انتَهَى.
*قُلْتُ: و ذَكَر السّهيلي في الرَّوْض أَنَّ الفاءَ في قولِه هذا و أَشْباهِه تُعْطِي الاتِّصالَ؛ يقالُ: مُطِرْنا بينَ مكَّةَ فالمدِينَةِ إذا اتَّصَلَ المَطَرُ مِن هذه إلى هذه، و لو كانتِ الواوُ لم تُعْطِ هذا المَعْنى، انتَهَى.
و قال صاحِبُ اللّبابِ: و قولهُ بينَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ على وَسَطِ الدَّخُول فوَسَط حَوْمَلِ، و لو قُلْتَ بينَ الفَرَسِ فالثّوْرِ لم يجز.
و تَجيءُ للسَّبَبِيَّةِ ؛ و هذا هو الموضِعُ الثاني الذي ذَكَرَه الجَوْهرِي فقالَ: هو أنْ يكونَ ما قَبْلها علَّةً لمَا بَعْدَها و يجْرِي على العَطْفِ و التَّعْقيبِ دُونَ الإشَرْاكِ كقولك:
ضَرَبَه فبَكَى و ضَرَبَه فأَوْجَعَه إذا كانَ الضَّرْبُ علَّةً للبُكاءِ و الوَجَعِ، انتهى. و في اللُّباب: و لإفادَتِها التَّرْتيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ اسْتَعْملُوها للسَّبَبِيَّةِ. و ذلكَ غالِبٌ في العاطِفَةِ جُملةً كقوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسىََ فَقَضىََ عَلَيْهِ [٢] ؛ أَو صِفَةً نحو قوله تعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ `فَمََالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ `فَشََارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَمِيمِ `فَشََارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ [٣] و تكونُ رابِطةً للجَوابِ، و الجوابُ جُمْلَةٌ اسْميَّةٌ. و في اللّبابِ: رابِطةٌ للجَزاءِ بالشَّرْطِ حيثُ لم يَكُنْ مُرْتَبِطاً بذاتِه؛ نحو قوله تعالى: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ، فَهُوَ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٤] ؛ و قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ، وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُاَلْحَكِيمُ [٥] .
و هذا هو الموضِعُ الثالثُ الذي ذكَرَه الجَوْهرِي فقالَ:
هو الذي يكونُ للابْتِداءِ، و ذلك في جوابِ الشَّرْطِ، كقولك: إنْ تَزُرْني فأنْتَ مُحْسِنٌ، يكونُ ما بَعْدَ الفاءِ [٦]
كَلاماً مُسْتَأْنفاً يَعْمَل بعضُه في بعضٍ، لأنَّ قولَكَ أَنْتَ ابْتداءٌ، و مُحْسِنٌ خَبَرُه، و قد صارَتِ الجُملَةُ جواباً بالفاءِ .
أَو تكونُ جُمْلةً فِعْليَّةً كالاسْمِيَّةِ و هي التي فِعْلُها جامِدٌ، نحو قوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مََالاً وَ وَلَداً [٧] ؛ و قوله تعالى: فَعَسىََ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ [٨] ؛ و قولهُ تعالى: إِنْ تُبْدُوا اَلصَّدَقََاتِ فَنِعِمََّا هِيَ [٩] ؛ أَو يكونُ فَعْلُها إنْشائيّاً، كقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ [١٠] ؛ أَو يكونُ فِعْلاً ماضِياً لَفْظاً و مَعْنًى، إمَّا حَقِيقَةً نحو قوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [١١] ؛ أو مجازاً نحو قوله تعالى:
وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنََّارِ [١٢] ؛ نُزِّلَ الفِعْلُ لتَحَقُّقِه مَنْزِلَةَ الوَاقِعِ. قالَ البَدْرُ القرافي: ذَكَرَ المصنِّفُ من مثْلِ الفاءِ الرَّابِطَة للجَوابِ أَرْبَعَة و بَقِيَتْ خامِسَة: و هي أن تَقْتَرِنَ بحَرْفِ اسْتِقْبالٍ نحو قوله تعالى:
مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ [١٣] ، الآية: و ما تَفْعلُوا مِن خَيْرٍ فلَنْ تكفروه [١٤] و سادِسَة:
و هي أنْ تَقْتَرِنَ بحَرْفٍ له الصَّدْر نحو:
فإن أَهْلكَ فذُو لهبٍ لظَاهُ [١٥]
انتَهَى.
[١] مطلع معلقته، ديوانه ط بيروت ص ٢٩، و جزء من عجزه من شواهد القاموس، و الشاهد رقم ٢٩١ من شواهد مغني اللبيب.
[٢] سورة القصص، الآية ١٥.
[٣] سورة الواقعة، الآيات ٥٢-٥٥.
[٤] سورة الأنعام، الآية ١٧.
[٥] سورة المائدة، الآية ١١٨.
[٦] في الصحاح: «الألف» و الأصل كاللسان و لم يعزه.
[٧] سورة الكهف، الآية ٣٩.
[٨] سورة الكهف، الآية ٤٠.
[٩] سورة البقرة، الآية ٢٧١.
[١٠] سورة آل عمران، الآية ٣١.
[١١] سورة يوسف، الآية ٧٧.
[١٢] سورة النمل، الآية ٩٠.
[١٣] سورة المائدة، الآية ٥٤.
[١٤] سورة آل عمران، الآية ١١٥ و فيها: وَ مََا يَفْعَلُوا ... يُكْفَرُوهُ .
[١٥] الشاهد ٢٩٥ من شواهد مغني اللبيب، و تمامه:
عليّ تكاد تلتهب التهابا
و نسبه محقق مغني اللبيب ط دار الفكر بيروت، لربيعة بن مقروم.