تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٩٣ - فاء فا
*قُلْتُ: و الضابِطُ في ذلكَ أنَّ الجَزاءَ إذا كانَ ماضِياً لَفْظاً و قُصِدَ به الاسْتِقْبالُ امْتَنَعَ دُخولُ الفاءِ عليه تَحَقُّقِ تَأْثيرِ حَرْف الشَّرْط في الجزاءِ قَطْعاً نحو: إنْ أَكْرَمْتَنِي أَكْرَمْتُكَ؛ و كَذلكَ إذا كانَ مَعْنًى و قُصِدَ به مَعْنى الاسْتِقْبالِ نحو: إن أَسْلَمْتَ لم تَدْخُل النارَ؛ و إن كانَ مُضارِعاً مُثْبتاً أَو مَنْفِيّاً بِلا جازَ دُخولُها و تَرْكُها نحو: إن تُكْرِمْني فأُكْرِمْك تَقْديرُه فأَنا أَكْرِمُك، و يجوزُ أَنْ تقولَ إنْ تُكْرِمْني أكْرِمْك إذ لم تَجْعَلْه خَبَر مُبْتدأٍ مَحْذوفٍ. و مِثالُ المَنْفي بِلا إنْ جُعِلَت لنَفْي الاسْتِقْبالِ: كإنْ تُكْرِمْني فلا أُهِينك، لعَدَمِ تأْثِيرِ حَرْف الشَّرْطِ في الجَزاءِ، و إنْ جُعِلَتْ لمُجَرَّدِ النَّفْي جازَ دُخولُها: كإنْ تُكْرمْني لا أُهِنْك، و يجبُ دُخولُها في غيرِ ما ذَكَرْنا، كأَنْ يكونَ الجَزَاءُ جُملةً اسْمِيَّةً نحو: إنْ جِئْتَني فأنْتَ مُكْرَمٌ، و كما إذا كانَ الجَزاءُ ماضِياً مُحقَّقاً بدُخولِ قَدْ نحو: إنْ أَكْرَمْتَني فقَدْ أَكْرَمْتُك أَمْس، و منه قوله تعالى في قصّة سيِّدنا يوسفَ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ [١] أَي فقَدْ صَدَّقْت زليخا في قوْلِها، أو كما إذا كانَ الجَزاءُ أَمْراً نحو: إنْ أَكْرَمَكَ زَيْدٌ فأَكْرِمْه، أَو نَهْياً كإنْ يُكْرِمْك زَيْدٌ فلا تُهِنْه، أَو فِعْلاً غَيْر مُتَصرِّف نحو: إن أَكْرَمْتَ زيْداً فعَسَى أَنْ يُكْرِمَكَ، أَو مَنْفِيّاً بغَيْر لا سواء كان بلن نحو: إِنْ أَكْرَمْتَ زيداً فلَنْ يُهِينك، أو بما نحو:
إنْ أَكْرَمْتَ زَيْداً فما يُهِينك، فإنَّه يجِبُ دُخولُ الفاء في هذه الأمْثِلَة المَذْكُورَةِ، فتأَمَّل ذلكَ.
و قد تُحْذَفُ الفاءُ ضَرُورةً نحو قولِ الشَّاعرِ:
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللََّه يشْكُرُها [٢]
أَي فاللّه يَشْكُرُها أَو لا يَجوزُ مُطْلقاً، و الرِّوايَةُ الصَّحِيحةُ:
مَنْ يَفْعَل الخَيْرَ فالرَّحْمََنْ يَشْكُرُهُ
أَو الحَذْفُ لُغَةٌ فَصِيحةٌ، و منه قوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ [٣] ، أَي فالوَصِيَّةُ؛ و منه أَيْضاً ١٦- حديثُ اللُّقَطَةِ : «فإن جاءَ صاحِبُها و إلاّ اسْتَمْتَعَ بها» . ، أَي فاسْتَمْتَعَ بها.
*و ممَّا يُسْتدركُ عليه:
الفاءُ في اللُّغَةِ: زَبَدُ البَحْرِ؛ عن الخليلِ و أَنْشَدَ:
لما مزبد طامٍ يَجِيشُ بفَائِه # بأَجْود منه يَوْم يأْتِيه سائِلُه
و قد تُزادُ الفاءُ لإصْلاحِ الكَلامِ كقوله تعالى: هََذََا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ [٤] .
و تكونُ اسْتئِنْافيَّةً، كقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ* [٥] ، على بَحْثٍ فيه.
و تأْتي للتَّأْكِيدِ: و يكونُ في القَسَم نحو:
فَبِعِزَّتِكَ [٦] ، ... فَوَ رَبِّكَ*
١١ *
.
و تكونُ زائِدَةً و تَدْخلُ على الماضِي نحو فَقُلْنَا اِذْهَبََا [٧] ؛ على المُسْتَقْبل: فَيَقُولَ رَبِّ [٨] ؛ و على الحَرْف: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ [٩] .
و قال الجَوْهرِي. و كَذلكَ القَوْل إذا أَجَبْتَ [١٠] بها بَعْدَ الأمْرِ و النَّهْي و الاسْتِفْهامِ و النَّفْي و التَّمنِّي و العَرْض، إلاَّ أَنَّك تَنْصبُ ما بَعْدَ الفاءِ في هذه الأشْياءِ السِّتَّة بإضْمارِ أن تقول: زُرْني فأُحْسِنُ إليك، لَم تجْعلِ الزِّيارَةَ عِلَّةً للإحْسانِ.
و قالَ ابنُ بَرِّي: فإن رَفَعْتُ أُحْسن فقلْتَ فأُحْسِنُ إليك، لم تَجْعَل الزِّيارَةَ عِلَّة للإحْسان.
ثم قالَ الجَوْهرِي: و لكنَّك قَلْتَ ذاكَ مِن شأْني أَبداً أنْ
[١] سورة يوسف، الآية ١٢.
[٢] البيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت و تمامه:
و الشرّ بالشرّ عند اللََّه مثلان
و صدره من شواهد القاموس، و الشاهد ٢٩٦ من شواهد مغني اللبيب، و يروى:
من يفعل الخير فالرحمََن يشكره
و نسب البيت أيضاً لحسان بن ثابت و لكعب بن مالك.
[٣] سورة البقرة، الآية ١٨٠.
[٤] سورة ص الآية ٥٧.
[٥] سورة البقرة، الآية ١١٧.
[٦] سورة ص، الآية ٨٢.
[١١] (*) سورتي: الحجر ٩٢ و مريم ٦٨.
[٧] سورة الفرقان، الآية ٣٦.
[٨] سورة المنافقون، الآية ١٠.
[٩] سورة غافر، الآية ٨٥.
[١٠] في الصحاح: جئت.