تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٢٨ - هدي هدي
الثَّالث: التَّوفِيقُ الذي يَخْتَص به مَنِ اهْتَدَى ، و هو المَعْنيُّ بقولِه، عزَّ و جلَّ: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [١] ... وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [٢] .
الرَّابع: الهدايةُ في الآخِرَةِ إلى الجنَّةِ المَعْنِيُّ بقولِه، عزَّ و جلَّ: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [٣] ، إلى قولهِ، اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا [١] و هذه الهِدَاياتُ الأرْبَع مُتَرتَّبَة، فإنَّ مَنْ لم يَحْصَل له الأُوْلى لم يَحْصَل له الثانِيَة، بل لا يَصحّ تَكْلِيفه، و مَنْ لم يَحْصَل له الثانِيَة لا يَحْصَل له الثالِثَة و الرَّابعَة، و مَنْ حصلَ له الرَّابع فقد حَصَل له الثَّلاث التي قَبْله، و مَنْ حصلَ له الثالِث فقد حَصَل له اللَّذان قَبْله، ثم لا يَنْعَكِس، فقد يَحْصَل الأوَّل و لا يَحْصَل الثَّاني، و يَحْصَل الثاني و لا يَحْصَل الثالث، انتَهَى المَقْصود منه.
فَهَدَى لازِمَ متعدِّ، و اهْتَدَى ؛ و منه قولهُ تعالى: وَ يَزِيدُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً [٤] ، أَي يَزِيدُهم في يَقِينِهم هُدًى كما أَضَلَّ الفاسِقَ بفسْقِه [٥] و وَضَعَ الهُدَى مَوْضِعَ الاهْتِداءِ ؛ و قوله تعالى: وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدىََ [١] ؛ قال الزجَّاج: أَي أَقامَ على الإِيمانِ، و هَدَى و اهْتَدَى بمعْنًى واحِدٍ.
و هَداهُ اللّه الطَّرِيقَ هِدايَةً : أَي عَرَّفَهُ.
قال الجَوْهرِي: هذه لُغَةُ الحِجازِ.
قالَ ابنُ برِّي: فيُعدَّى إلى مَفْعولَيْن.
و هَداهُ له هِدايَةً : دَلَّه عليه و بَيَّنَه له؛ و منه قوله تعالى:
أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ [٦] ؛ قال أَبو عَمْرو بنُ العَلاء: أَي أَوَ لم يُبَيِّن لهم، نقلَهُ الجَوْهرِي و هي لُغَة أَهْلِ الغَوْر.
قالَ: و غَيْر أَهْل الحجازِ يقولونَ: هَداهُ إليه ؛ حَكَاها الأخْفَش، أَي أَرْشَدَهُ إليه. قالَ ابنُ برِّي: فيُعَدَّى بحرْفِ الجرِّ كأَرْشَدَ.
و رجُلٌ هَدُوٌّ ، كعَدُوِّ ، أَي هادٍ ؛ حَكَاها ابنُ الأعْرابي، و لم يَحْكِها يَعْقوب لفي الألْفاظِ التي حَصَرها كَحَسُوِّ و فَسُوِّ.
و هو لا يَهْدى الطَّريقَ و لا يَهْتَدِي و لا يَهَدِّي ، بفَتْح الياءِ و الهاءِ و كَسْر الدالِ المُشدَّدةِ، و لا يِهِدِّي ، بكسْر الياءِ و فَتْحها معاً مع كسْرِ الهاءِ و الدالِ المشدَّدةِ؛ و منه قولهُ تعالى: أَمَّنْ لاََ يَهِدِّي إِلاََّ أَنْ يُهْدىََ [٧] ، بالْتِقاءِ السَّاكِنينِ فيمَنْ قَرَأَ به؛ قالَ ابنُ جنِّي: هو لا يَخْلُو مِن أَحَدِ أَمْرَيْن: إمَّا أَنْ تكونَ الهاءُ مُسَكنةً البَتَّة فتكونَ التاءُ مِن يَهْتَدِي مُخْتَلِسة الحَرَكَة، و إمَّا أَنْ تكونَ الدالُ مَشدَّدَةً فتكونَ الهاءُ مَفْتوحةً بحرَكَةِ التاءِ المَنْقولَةِ إليها أَو مَكْسُورَةً لسُكونِها أَو سكونِ الدالِ الأُوْلى.
و قال الزجَّاج: و قُرِىءَ: أَمَّنْ لا يَهْدْي بإسْكانِ الهاءِ و الدالِ، قالَ: و هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ و هي مَرْوِيَّة، قالَ: و قالَ أبَو عَمْرٍو: أَمَّنْ لا يَهَدِّي ، بَفَتْحَ الهاءِ، و الأصْل لا يَهْتَدِي .
و قرَأَ عاصِمٌ: بكسْرِ الهاءِ بمعْنَى يَهْتَدِي أَيْضاً؛ و مَنْ قَرَأَ بسُكونِ الهاءِ مَعْناهُ يَهْتَدِي أيْضاً، فإنَّ هَدَى و اهْتَدَى بمعْنًى.
و هو على مُهَيْدِيَتِه : أَي حالِهِ ؛ حَكَاها ثَعْلَب، و لا مُكَبَّر لَها ، و رَواهُ الجَوْهرِي عن الأصْمعي بالهَمْزِ، و قد تقدَّمَ للمصنِّفِ هناك.
و لَكَ عنْدِي هُدَيَّاها ، مُصَغَّرَةً ، أَي مِثْلُها ، يقالُ: رَمَى بسَهْمٍ ثم رَمَى بآخرَ هُدَيَّاهُ أَي مِثْلِه.
و هَدْيَةُ الأمْرِ مُثَلَّثْةً جِهَتُه. يقالُ: نَظَرَ فلانٌ هَدْيَةَ أَمْره، أَي جِهَةَ أَمْرِه؛ و ضَلَّ هِدْيَتَه و هُدْيَتَه ، أَي لوَجْهِه؛ قالَ ابنُ أَحْمر:
نَبَذَ الجُوارُ و ضَلَّ هِدْيَةَ رَوْقِه # لمَّا اخْتَلَسْتُ فُؤادَه بالمِطْرَدِ [٨]
[١] سورة محمد، الآية ١٧.
[٢] سورة التغابن، الآية ١١.
[٣] سورة الأعراف، الآية ٤٣ و بالأصل «و نزغنا» تحريف.
[٤] سورة مريم، الآية ٧٦.
[٥] سورة طه، الآية ٨٢.
[٦] سورة السجدة، الآية ٢٦.
[٧] سورة يونس، الآية ٣٥.
[٨] اللسان و التهذيب و فيهما:
نبذ الجؤار...