تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٣
ثم الْتَفَتَ للدُّعاءِ لكتابِه فقالَ: و نَفَعَ بهذا الكِتابِ ، أَي القامُوسِ، المُكْتَسِي ، أَي اكْتَسَى، مِن بَرَكَتِها [١] ، أَي الكَعْبَة خَيراً كثيراً، فمِن بَيانِيَّة، و المَفْعولُ مَحْذوفٌ، أَي كَساهُ اللَّهُ مِن بَركاتِها خَيْراً كثيراً أَو غَيْر ذلكَ، و حذفَ المَفْعول ليَذْهَبَ الناظِرُ كلَّ مَذْهبٍ في تَقْديرِه، و هو مِن مَصادِرِ البُلَغاءَ، أَو هي تَبْعِيضِيَّة، أَي الذي اكْتَسَى بعضَ بَرَكاتِها؛ و قولُه: إخْوانِي ، مَفْعولُ نَفَعَ، فَصل بَيْنه و بينَ فعْلِه بالجارِّ و المَجْرورِ و وَصَفَه، أَي و نَفع إخْوانِي بهذا، الخ. و النَّفْعُ عامٌّ بالقِراءَةِ و الكتابَةِ و المُطالَعَةِ و المُراجَعَةِ و غَيْر ذلك مِن وُجُوهِ النَّفْع؛ و حَسَّنَهُ بالقَبُولِ ؛ أَي جَعَلَ فيه الحُسْن و حَصَرَ حُسْنه في القَبُولِ، لأنَّه المَطْلوبُ في مثْلِه، و المُرادُ القَبُول العام مِن اللَّهِ تعالى، فإنَّه إذا قَبِلَه ضاعَفَ له الجَوائِزَ عليه، و من الخلقِ ليَكْثرَ نَفْعهم به و تَدَاولَهم إيَّاه فيَكْثُرُ الدُّعاءُ منهم له، و إشادَة ذِكْره و ذلكَ ممَّا يُضاعِفُ له الحَسَنات و يُبْقِي ذِكْره على مَمَرِّ الزّمان؛ لتَسْتَعِيرَ من حُسْنِه ، أَي زِيادَة في كمالِ حُسْنِه أَي حُسْناً زائِداً يَسْتَعِيرُ منه مَنْ لا يَحْتاجُ إلى الحُسْنِ و الزِّينةِ، و أَعْظَم ذلكَ الغَوانِي ، جَمْعُ غانِيَةٍ، و المرادُ بها التي تَسْتَغْني بحُسْنِها عن الزَّينَةِ لأنَّه منها أَبْلَغ و إن مَرَّ أَنَّها تُطْلَقُ بمعْنَى التي اسْتَغْنتِ بزَوْجِها عن الرِّجالِ كمالاً في العفّةِ أَو ببَيْتِ أَبيها عن الأزْواجِ زيادَةً في التَّصوُّنِ، فإنَّ المَعْنى الأوَّل هنا أَنْسَبُ، و لمَّا كانتِ المَحاسِنُ أَنْواعاً و أَحْسَنها عنْدَ ذوي الأذْواقِ المَحاسِنِ المَعْنويَّة و لا سيَّما المُتَّصِفَةِ باللُّطْفِ، قالَ: لَطائِفَ المَعانِي ، و هو مِن إضافَةِ المَوْصوفِ إلى الصِّفَةِ أَي الصِّفَةِ أَي المَعانِي اللَّطائِف؛ و أَجْزَلَ ، أَي أَكْثَرَ، مِن فَضْلِه العَمِيمِ ، أَي العام الشامِل، ثَوابِي ، أَي جَزائِي على هذا الخَيْر، و جَعَلَه نُوراً ، يضيءُ لي بَيْنَ يَدَيِ ، لأنَّه مِن الأعْمالِ التي لا تَنْقَطِعُ بالموْتِ، يومَ حسابِي ، أَي يومَ القِيامَةِ، لأنّه الذي يُحاسَبُ فيه الخَلائِق.
ثم خَتَمَ بما حَصَلَ به الابْتَداء فقالَ: وَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ * ؛ فهو مِن أَبْدع رَدّ العَجْز على الصَّدْر، و لذلكَ كانَ أَوَّلُ القُرْآنِ و آخِرُ دَعْوى أَهْل الجِنَانِ؛ و على فَضْلِه ؛ مُتَعلِّقٌ بأَحْمد مَحْذوفٌ لأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَل مع الفَصْلو إن أَجازَه السَّعْدُ في بعضِ المَباحِثِ، و الفَضْلُ:
الإحْسانُ، و المَوْفورِ ، الكَثِير، و قَبُولِهِ مِنَّا عَفُوَ خاطِرِنا ، عَفْو الخاطِرِ ما يَصْدرُ عنه بِلا كلْفةٍ، و المَنْزورِ ، القليلِ إشارَةً إلى أنَّه تعالى لكَمالِ كَرَمِه و فَضْلِه يَقْبَلُ القَليلَ و يُجازِي عليه، جَلَّ شأْنُه، بالجَزِيلِ الجَليلِ، ثم بَعْد الحَمْدِ أَرْدَفَ بالصَّلاةِ و السَّلامِ على النبيِّ، صلى اللََّه عليه و سلم، لأنَّها الذخرُ الأعْظَم و الوَسِيلةُ الكُبْرى في قُبُولِ الأعْمالِ و بُلُوغ الآمالِ فقالَ: و الصَّلاةِ و السَّلامُ الأَتَمَّان الأكْمَلانِ ؛ وَصَفَهما بالتّمامِ و الكَمالِ مُبالَغَة إن قلْنا بتَرادفِهما على ما هو رأْيُ أَكْثَر أَهْلِ اللغَةِ، و زِيادَةً في التَّعْظِيم و المُبالَغَةِ على القَوْل باخْتِلافِهما؛ على حَبِيبِه و صَفِيِّه و خَلِيلِه و نَبيِّه ، و المحبَّةُ و الصّفْوَةُ و الخلَّةُ و النبوَّةُ كُلُّها أَوْصافٌ له، صلى اللََّه تعالى عليه و سلم، و قد شُرِحَتْ في مواضِعِها، و القَوْلُ في التّفاضِلِ بينَ الخلَّةِ و المحبَّةِ أَمْرٌ مَشْهورٌ و قد أَشَرْنا لبعضِه في مواضِعَ مِن هذا الكِتابِ، ثم ذَكَرَ اسْمَه الشَّريفَ، فقال: محمدٍ ، صلى اللََّه عليه و سلم، و أَشارَ بقَوْلِه، الذي لا نَرْضَى لبَيانِ اسْتِحقاقِه من الوَصْفِ جُهْدَنا ، إلى أَنَّ الإنسانَ و إن قالَ ما قالَ و بَلَغَ مِن البَلاغَةِ أَقْصَى المَقالِ، فإنَّ جهْدَ مقلٍ بالنِّسْبةِ إلى فضائِلِه، صلى اللََّه عليه و سلم، التي لا يُحْصِيها العَدَد، و تَنْتَهي المَدَدُ و لا يَنْتَهِي لفَيْضِها مَدَدٌ، و لذلكَ نَسْتعينُ على ذلكَ بطَلَبهِ مِن خالقِ القوى و القدر، و نَسْتَمدُّ بعضَ كَمالاتِه مِن مدد القضاءِ و القَدَرِ لا رَبّ غَيْره؛ و نَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ الكَرِيمِ ، أَي نَتَوجَّه و نَتَضَرَّعُ إليه في، أَنْ يُوصِلَ إليه صَلاتَنا ؛ و في يُوصِلَ و صَلاتَنا جِناسُ الاشْتِقاقِ، و يُقَرِّبَ منه بُعْدَنا ، يمكِنُ أن يُرادَ به التّقْريبُ الحِسِّي و المَعْنوي؛ و أَنْ يُصَلِّيَ على آلِهِ ؛ و هُم أَقارِبُه المُؤْمنونَ مِن بَني هاشِمٍ على الأصَحِّ مِن أَقْوالٍ سَبْعةٍ لمالِكٍ، و يُرادُ بهم في الدُّعاءِ كلُّ مُؤْمِنٍ تَقيٍّ أَو كلُّ الأمَّةِ؛ و أَزْواجِهِ ، أُمَّهات المُؤْمِنِين مَنْ ماتَتْ منهنَّ في عصْمَتِه حَيّاً كالسيِّدَةِ خَدِيجَة، رضِيَ اللََّه عنها، و أُمّ المَساكِين على الأصَحِّ، و مَنْ بَقِينَ بَعْده في عصْمَتِه كأُمّهات المُؤْمِنين التِّسْع، رضي اللََّه تعالى عنهن، و يلحق بهن سرارية؛ و أَصْحابِه ، رضِيَ اللَّهُ عنهم، كلّ مَنْ اجْتَمَعَ به مُؤْمَناً به على الأصَحّ و لا تُشْتَرَطُ الرُّؤْيَة و لا الرِّوايَة و لا الطّول و لا غَيْر ذلك
[١] على هامش القاموس عن نسخة: بَرَكَاتِها.