تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٠٠ - لا لا
صحَّةِ التَّرْكيبِ مَمْنُوعٌ لمَا أَشَرْنا إليه من الفائِدَةِ في الأوَّل دُونَ الثاني، و التَّأْكِيد يُفْهَمُ بالقَرِينةِ و الإلْباسُ يُنْتَفَى بالقَرِينَةِ و الفائِدَةُ حاصِلَةٌ مع القَرائِنِ في قامَ رَجُلٌ و زَيْدٌ و ليسَتْ حاصِلَةً في قامَ رَجُلٌ لا زَيْدِ مع العَطْفِ كما بَيَّناهُ؛ و أَمَّا قَوْلُكَ هل يَمْتَنِعُ ذلكَ في العامِّ و الخاصِّ مِثْل قامَ الناسُ لا زَيْد، فالذي أَقُولُه مِن هذا إنَّه إن أُرِيدَ الناس غَيْر زَيْد جازَ و تكونُ لا عاطِفَةً بمَا قَرَّرْناهُ مِن قَبْل، و إن أُرِيدَ العُمُوم و إخْراج زَيْد بقَوْلِكَ لا زَيْد على جِهَةِ الاسْتِثْناءِ فقد كانَ يَخْطُر لي أنَّه يَجوزُ، لكنْ لم أَرَ سيبويه و لا غَيْرَه مِن النُّحاةِ عَدَّلا مِن حُرُوفِ الاسْتِثْناءِ فاسْتَقَرَّ رأْيي على الامْتِناعِ إلاَّ إذا أُرِيدَ بالنَّاس غَيْر زَيْد و لا يَمْنَع إطْلاق ذلكَ حَمْلاً على المَعْنى المَذْكورِ بدَلالَةِ قَرِينَةِ العَطْفِ، و يُحْتَمَل أن يقالَ يَمْتَنِع كَما امْتَنَع الإطْلاق في قامَ رَجُلٌ لا زَيْد، فإنَّ احْتِمالَ إرادَةِ الخُصوصِ جائِزٌ في المَوْضِعَيْن فإنْ كانَ مُسوّغاً جازَ فيهما و إلاَّ امْتَنَع فيهما و لا فَرْقَ بَيْنهما إلاَّ إرادَة مَعْنى الاسْتِثْناء مِن لا ، و لم يَذْكرِ النُّحاة، فإنّ صَحَّ أن يُرادَ بها ذلك افْتَرَقا لأنَّ الاسْتِثْناءَ مِن العام جائِزٌ و مِن المُطْلَقِ غَيْرُ جائِزٍ، و في ذهْني مِن كَلامِ بعضِ النُّحاة في قامَ الناسُ ليسَ زَيْداً أنَّه جَعَلها بمعْنَى لا، فإن جُعِلَت للاسْتَثْناء صَحَّ ذلكَ و ظَهَرَ الفَرْقُ، و إلاَّ فهما سواءٌ في الامْتِناعِ عنْدَ العَطْفِ و إرادَةِ العُمومِ بِلا شَكٍّ، و كذا عنْدَ الإطْلاق حَمْلاً على الظاهِرِ حتى تَأْتي قَرِينَة تدلُّ على إرادَةِ الخُصوصِ؛ و أَمَّا قامَ الناسُ و زَيْد فجوازُه ظاهِرٌ ممَّا قدَّمْناه مِن أن العَطْفَ يُفِيدُ المُغايَرَةَ فإفادَةُ إرادَة الخُصُوص بالأولى أَو إرادَة تَأْكِيد نِسْبَة القِيام إلى زَيْد و الإخْبار عنه مَرَّتَيْن بالعُمُومِ و الخُصُوصِ، و هذا المَعْنَى لا يَأْتي في العَطْفِ بِلا و أَمَّا قولك: و لأَيِّ شيءٍ يَمْتَنِعُ العَطْف بِلا في نَحْو ما قامَ إلاَّ زَيْدٌ لا عَمْرو، و هو عَطْفٌ على مُوجبٍ، فلما تَقدَّمَ أَنْ لا عطْفَ بها ما اقْتَضَى مَفْهوم الخِطابِ فيه ليدلَّ عليه صَريحاً و تَأْكِيداً المَفْهُوم و المَنْطُوق في الأوَّل الثُّبُوت و المُسْتَثْنى عَكْس ذلكَ لأنَّ الثُّبوتَ فيه بالمَفْهومِ لا بالمَنْطوقِ و لا يُمْكِنُ عَطْفها على المُنْفَى لمَا قيلَ أنَّه يلزمُ نَفْيه مَرَّتَيْن، و قَوْلكُ أنَّ النَّفْيَ الأوَّل عامٌّ و الثاني خاصٌّ صَحِيحٌ لكنَّه ليسَ مِثْل جاءَ زَيْدٌ لا عَمْرو، لمَا ذَكَرْنا أَنَّ النَّفْيَ في غَيْرِ زَيْدٍ مَفْهومٌ و في عَمْرٍو مَنْطوقٌ، و في الناسِ المُسْتَثْنى منه مَنْطوقٌ فخَالَفَ ذلِكَ الباب، و قَوْلُك فأَسْوأُ دَرَجاتِه أنْ يكونَ مِثْل ما قامَ الناس و لا زَيْد مَمْنُوع و ليسَ مِثْله، لأنَّ العَطْفَ في و لا زَيْد ليسَ بِلا بل بالواوِ، و للعَطْفِ بِلا حُكْم يخصّه ليسَ للواوِ، و ليسَ فيه قوْلنا ما قامَ الناسُ و لا زَيْد أَكْثَر مِن خاصّ بَعْدَ عام. هذا ما قدَّرَه اللََّه لي مِن كتابَتِي جواباً للولدِ بارَكَ اللََّه فيه، و اللََّه أَعْلم.
قُلْتُ: هذا خلاصَةُ السُّؤالِ و الجَوابِ نقَلْتُهما مِن نسخةٍ سَقِيمةٍ فليَكُنِ النَّاظِرُ فيمَا ذَكَرْت على أهبةِ التأَمّل في سِياقِ الألفاظِ فعَسَى أن يَجِدَ فيه نَقْصاً أَو مُخالفَةً.
ثم قال المصنِّفُ: و تكونُ جَواباً مُناقضاً لنَعَمْ و بَلَى، و نَصُّ الجَوْهرِي: و قد تكونُ ضِدّاً لبَلَى و نَعَم؛ و تُحْذَفُ الجُمَلُ بعدَها كثيراً و تُعْرَضُ بينَ الخافِضِ و المَخْفوضِ نحوُ: جِئْتُ بِلا زادٍ، و غَضِبْتُ من لا شيءٍ ، و حينَئِذٍ تكونُ بمعْنَى غَيْر لأنَّ المَعْنى جِئْتُ بغَيْرِ زادٍ بغيرِ شيءٍ يُغْضَبُ منه، كما في المِصْباح. و عليه حَمَلَ بعضُهم قولَه تعالى: وَ لاَ اَلضََّالِّينَ [١] على بَحْثٍ فيه.
و قال المبرِّدُ: إنَّما جازَ أَن تَقَعَ لا في قولِه: وَ لاَ اَلضََّالِّينَ ، لأنَّ مَعْنى غَيْر مُتَضمِّنٌ مَعْنى النَّفْي، فجاءَتْ لا تُشَدِّدُ [٢] مِن هذا النَّفْي الذي تضمنه غَيْرُ لأنَّها تُقارِبُ الدَّاخِلَة، ألا تَرى أنَّك تقولُ جاءَني زَيْدٌ و عَمْرو، فيقولُ السَّامِعُ: ما جاءَكَ زَيْد و عَمْرو؟فجازَ أَن يكونَ جاءَهُ أَحدُهما، فإذا قالَ ما جاءَني زَيْد و لا عَمْرو فقد بيَّن أنَّه لم يَأْتِه واحِدٌ منهما، انتهى.
و إذا جُعِل غَيْر بمعْنَى سِوَى في الآيةِ كانتْ لا صِلَةً في الكَلام، كما ذَهَبَ إليه أَبو عبيدَةَ، فتأَمَّل.
و الرابعُ: أنْ تكونَ مَوْضوعةً لطَلَبِ الترْكِ. قال شيْخُنا: هذا مِن عَدَمِ مَعْرفةِ اصْطِلاحِ فإنَّ مُرادَه لا الناهِيَة، انتَهَى.
[١] سورة الفاتحة، الآية ٧.
[٢] عن اللسان و التهذيب و بالأصل «تسدد» .