تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٠٧ - لو لو
نَقَضوا بمثْلِ قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اَللََّهِ قالوا: فلو كانتْ حَرْفَ امْتِناعٍ لامْتِناع لزمَ نَفَاد الكَلِمَات مع عَدَمِ كَوْنِ كلّ ما في الأرضِ مِن شَجَرةٍ أَقْلام تَكْتُبُ الكَلِماتِ و كَوْن البَحْر الأعْظَم بمنْزِلَةِ الدّواةِ، و كَوْن السَّبْعة الأبْحُر مَمْلوءَةً مَداداً و هي تمدُّ ذلكَ البَحْر.
و ١٧- قولُ عُمَر، رضي اللََّه عنه : «نِعْم العَبْدُ صُهَيْبٌ لو لم يَخَفِ اللََّه لم يَعْصه» . قالوا فيَلْزمُ ثُبُوت المَعْصِيَة مع ثُبُوتِ الخَوْفِ، و هو عَكْسُ المُراد.
قالَ: ثم اضْطَرَبَتْ عِبارَاتُهم و كانَ أَقْربَها إلى التَّخْفيفِ قولُ شيْخِنا أَبي الحَسَنِ عليِّ بنِ عبْدِ الكافي السّبْكي فإنَّه قال: تَتَبَّعْت مَواقِعَ لو مِن الكِتابِ العَزيزِ و الكَلامِ الفَصِيحِ فوَجدْتُ المُسْتَمر فيها انْتِفاء الأوَّل و كَوْن وُجودُه لو فُرِضَ مُسْتلزماً لوُجُودِ الثاني، و أَمَّا الثاني فإن كانَ التَّرْتيبُ بَيْنه و بينَ الأوَّل مُناسِباً و لم يُخْلِف الأوَّل غَيْره فالثاني مُنْتَفٍ في هذه الصُّورَةِ كقوله تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا ؛ و كقولِ القائِلِ: لو جِئْتَني لأَكْرَمْتك؛ لكنَّ المَقْصودَ الأَعْظَم في المِثالِ الأوَّل نَفْيُ الشَّرْطِ رَدًّا على مَنِ ادَّعاهُ، و في المِثال الثاني أنَّ المُوجبَ لانْتِفاءِ الثاني هو انْتِفاءُ الأوَّل لا غَيْر، و إنْ لم يَكُنْ التَّرْتيبُ بَيْنَ الأوَّل و الثاني مُناسِباً لم يَدلَّ على انْتِفاءِ الثاني بل على وُجُودِهِ مِن بابِ الأولى مِثْل: نِعْم العَبْدُ صُهَيْب لو لم يَخَفِ اللََّه لم يَعْصه، فإنَّ المَعْصِيَةَ مَنْفيَّةٌ عنْدَ عَدَمِ الخَوْفِ فعنْدَ الخَوْفِ أَوْلى؛ و إنْ كانَ التَّرتِيبُ مُناسِباً و لكن الأوَّل عنْدَ انْتِفائِه شيءٌ آخَر يَخْلفُه بما يَقْتَضِي وُجُود الثاني كقولنا:
لو كانَ إنساناً لكانَ حَيَواناً فإنَّه عنْدَ انْتِفاءِ الإِنْسانِيَّةِ قد يَخْلُفها غَيرُها ممَّا يَقْتَضِي وُجُود الحيوانيَّةِ، و هذا كميزانٍ مُسْتَقِيم مطرد حيث وَرَدَتْ لو و فيها مَعْنى الامْتِناع انتَهَى الغَرَضُ منه.
و تَرِدُ على خَمْسةِ أَوْجُهٍ:
أحدُها: المُسْتَعْمَلَةُ في نحوِ: لو جاءَني أَكْرَمْتُه [١] ، و تُفِيدُ حينَئِذٍ ثلاثةَ أُمُورٍ: أَحدُها: الشَّرْطِيَّةُ ، أَي تُفِيدُ عقْدَالسَّبَبِيَّةِ، و المُسَبَّبِيَّة بينَ الجُمْلَتَيْن بَعْدَها، و بهذا تُجامِعُ إن الشَّرْطِيَّة؛ و قال الفرَّاء: لو إذا كانتْ شَرْطاً كانتْ تَخْويفاً و تَشْويقاً و تَمْثِيلاً و شَرْطاً لاسْم [٢] .
الثَّاني: تَقْييِدُ الشَّرْطِيَّةِ بالزَّمَنِ الماضِي ، و بهذا تُفارِقُ إنْ فإنَّها للمُسْتَقْبَل، و مع تَنْصِيصِ النُّحاة على قلَّةِ وُرُودِ لو للمُسْتَقْبل فإنَّهم أَوْرَدُوا لها أَمْثِلةً، منها: قولُ الشاعرِ:
و لو تَلْتَقي أَصداؤنا بعد مَوْتِنا # و من دون رَمْسينا من الأرضِ سَبْسَبُ
لظلّ صَدَى صوْتي و إن كنتُ رِمَّةً # لصوتِ صَدَى لَيْلَى يَهَشّ و يَطربُ [٣]
و قولُ الآخرِ:
لا يلفك الراجوكَ إِلاّ مظهراً # خُلُقَ الكرامِ و لو تكونُ عديما [٤]
و في اللُّبابِ: و تُسْتَعْمَل لو في الاسْتِقْبالِ عنْدَ الفرَّاء كإِن.
الثَّالث: الامْتِناعُ ، أَي امْتِناعُ التالي لامْتِناعِ المُقدَّم مُطْلقاً، كقوله تعالى: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ [٥] ؛ و قوله تعالى: وَ لَوْ تَوََاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي اَلْمِيعََادِ وَ لََكِنْ لِيَقْضِيَ اَللََّهُ أَمْراً كََانَ مَفْعُولاً [٦] ؛ و قولُ امرىءِ القيْسِ:
و لو أَنَّما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ # كفَاني، و لم أَطْلُبْ، قَلِيلٌ مِن المالِ
و لكنَّما أَسْعَى لمجدٍ مُؤثلٍ # و قد يُدْرِكُ المَجْد المُؤثل أَمْثالي [٧]
و غَيْرُ ذلكَ. فهذه صَرِيحةٌ في أَنَّها للامْتِناع لأنَّها عقبت
[١] في مغني اللبيب ص ٣٣٧ في بحث «لو» .
[٢] في اللسان و التهذيب: لا يتم.
[٣] البيتان لأبي صخر الهذلي، في شعره في شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٣٨ و الأول برواية: «منكب» بدل «سبسب» .
[٤] الشاهد ٤٦٢ من شواهد المغني، و لم ينسبه.
[٥] سورة المائدة، الآية ٤٨.
[٦] سورة الأنفال، الآية ٤٢.
[٧] ديوانه ط بيروت ص ١٤٥ و هما في المغني الشاهد ٤٥٧.