القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٢٣٠ - الثانية انّ ترك الضدّ ممّا يتوقّف عليه فعل المأمور به لاستحالة وجود الضدّين في محلّ واحد
و إن كان الضدّ شرعيّا، إذ المراد بعد فرضه ضدّا [١]. و قد أغرب بعض المحقّقين [٢] فأنكر كونه مقدّمة و قال: إنّه من المقارنات الاتّفاقيّة، فلو كان ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه، فكون فعل الضدّ مقدّمة لترك ضدّه أولى بالإذعان، و لمّا كان منشأ توهّم التوقّف هو المقارنة الاتّفاقية، حصل ذلك الاشتباه في المقامين، مع أنّه محال.
و غرضه من المقام الثاني هو شبهة الكعبي [٣] الآتية، فإنّه جعل فعل المباح
[١] مثلا خياطة الثوب، و إن لم يكن ضدا لفعل الصلاة شرعا لكونها مشتملة على فعل كثير و هو مناف للإتيان بالصلاة، و الامتثال بها يكون تركها حينئذ ما يتوقف عليه فعل الصلاة عقلا، لظهور انّ العقل يمنع إرادة الصلاة مع الاشتغال بالخياطة التي تركها من مقدماتها شرعا، فالتوقف عقلي و إن كان الضد شرعيّا.
[٢] المراد به هو سلطان العلماء في حاشيته على شرح «المختصر» على ما نقله ميرزا حبيب اللّه الرشتي في «بدائع الأفكار»: ص ٣٧٥، و أشار السلطان بذلك في حاشيته على «المعالم»: ص ٩٤ (طبعة كتابفروشي داوري- قم) أيضا، و بمثل نظره الشيخ البهائي في «الزبدة»: ص ٨٢ و الكاظمي، و كذلك الحاجبي الذي هو من قبلهم.
[٣] عبد اللّه الكعبي البلخي الخراساني (٢٧٣- ٣١٩ ه) أحد أئمة الاعتزال و رأس طائفة منهم تسمى الكعبية. له آراء في علم الكلام انفرد بها و قد اعتاد الأصوليين على ذكر و ايراد نظريته المتعلّقة بالمباح و هي نظرية اختلفت عبارات الاصوليين في تصويرها على ثلاثة أوجه: أحدها: انّ كل فعل يوصف بأنّه مباح عند النظر إليه بانفراده يكون واجبا باعتبار انّه ترك به الحرام. ثانيها: انّ المباح مأمور به بناء على انّه حسن، فيحسن ان يطلبه الطالب لحسنه. ثالثها: انّ المباح من أضداد الحرام، فيكون مأمورا به بناء على انّ النهي عن الشيء أمر بضده. و غاية ما يرومه الكعبي في نظريّته هذه هي الإفضاء الى اثبات كون المباح غير موجود في الأحكام الشرعية، بل المباح من قسم الواجب. و قد اثارت هذه النظرية الكعبية مناقشات و ردود مختلفة، و كلّها تتضمّن في محتواها توجيه حكم المباح غير هذا التوجيه الذي أبداه الكعبي و سار عليه.