القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٨ - الثاني التبادر
فلذلك قد يدّعي أحدهم أنّ الأمر بالشيء لا يدلّ على النّهي عن ضدّه الخاص عرفا بأحد من الدّلالات [١] كما هو الحقّ، و يدّعي آخر دلالته لما التبس عليه الأمر من جهة الأدلّة العقلية التي قرّبت إليه مقصوده.
و كذلك في مقدّمة الواجب، فلا بدّ أن يرجع الى عرف عوامّ العرب، فإنّهم هم الّذين لا يفهمون شيئا إلّا من جهة وضع اللّفظ، فالفقيه حينئذ كالجاهل بالاصطلاح و إن كان من جملة أهل هذا الاصطلاح.
و بالجملة، لا بدّ من بذل الجهد في معرفة أنّ انفهام المعنى إنّما هو من جهة اللّفظ لا غير.
و بما ذكرناه [٢]؛ يندفع ما يتوهّم، أنّ التبادر كما هو موجود في المعنى الحقيقي. فكذلك في المجاز المشهور، فلا يكون علامة للحقيقة و لا لازما خاصّا لها، بل هو أعمّ من الحقيقة.
و توضيح ذلك: أنّ المجاز المشهور، هو ما يبلغ في الاشتهار بحيث يساوي الحقيقة في الاستعمال أو يغلبها [يغلب]، ثمّ إنّ الأمر فيه الى حيث يفهم منه المعنى بدون القرينة، و يتبادر ذلك حتّى مع قطع النظر عن ملاحظة الشهرة أيضا، فلا ريب أنّه يصير بذلك حقيقة عرفيّة كما ذكرنا سابقا، و هذا أيضا وضع، فالتبادر كاشف عنه، و إن لم يكن كذلك، بل كان بحيث يتبادر المعنى بإعانة الشّهرة و سببيّته و إن لم يلاحظ تفصيلا [٣]، و هو الذي ذكره الأصوليّون في باب تعارض الأحوال.
[١] الدلالات الثلاث.
[٢] من أنّ التبادر بلا قرينة هو علامة الحقيقة بخلاف التبادر مع القرينة و لو كانت قرينة الشهرة كما مرّ الاشارة إليه، فإنّ ذلك التبادر علامة المجاز.
[٣] بمعنى انّ سبب التبادر هو الشهرة، و المراد بالملاحظة التفصيليّة هو أن يلاحظ المعنى الحقيقي أوّلا ثم المعنى المجازي ثانيا ثم العلاقة و المناسبة بينهما ثالثا.