الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٩٦ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
و ما معها، و من شدة سروره بالجارية جعلها في مجلس قريب منه ليصل إليها، و أرسل طلب ذلك الرّجل فوجده لبيبا ظريفا، فهما، فقال له: يا يعقوب، ويحك تلقى اللّه تعالى بدمي، و أنا رجل من ولد فاطمة (رضي اللّه عنها)، فقال له يعقوب: يا هذا أ فيك خير، فقال: إن فعلت خيرا بقي شكر. و دعوت لك، فقال له: خذ هذا المال، و خذ أي طريق شئت، فقال: طريق كذا، و كذا، فقال: أمض راشدا، فسمعت الجارية الكلام كلّه فوجهت مع بعض خدمها إلى المهدي، و قالت: قل له هذا الّذي آثرته على نفسك بي، و هذا جزاؤك منه، و قد ذهب من طريق كذا، فوجه المهدي ناس إلى ذلك الطّريق، فمسكوا ذلك الرّجل العلوي و المال معه، ثمّ أرسل خلف يعقوب فأحضره، فلمّا رأه، قال له: ما حال الرّجل؟ قال له: قد أراحك اللّه منه، قال: مات، قال: نعم، قال: و اللّه، قال: و اللّه، قال: فضع يدك على رأسي، فوضع يده على رأسه و حلف له به، فقال: هاتوا هذا الرّجل، ففتحوا باب خزانة، و إذا هم ظاهرين بالعلوي، و المال بعينه، فبقي يعقوب متحيرا، و امتنع الكلام عليه، و ما درى ما يقول.
فقال له المهدي: لقد أحلّ دمك، و لو أردت أرقته، و لكن أحبسوه في المطبخ، فحبسوه فيه، و أمر بأن يطوى عنه خبره، و عن كلّ أحد، فأقام فيه سنتين و شهورا في أيام المهدي، و جميع أيام الهادي بن المهدي و خمس سنين و شهور من أيام ابنه هارون الرّشيد، و هو أخو الهادي، ثمّ أنّ يحيى بن خالد ذكر للرشيد أمر يعقوب، و شفع فيه عنده فأمر بإخراجه.
قال عبيد اللّه بن يعقوب بن داود: أخبرني أبي عن قصته مع العلوي المذكور و أنّ المهدي حبسه في بئر عميق، و بنى عليه قبّة، و جعل فيها طاقة، و كانوا يدلون إليه في كلّ يوم رغيف خبز، و كوز ماء، و كان يخبر بأوقات الصّلوات، قال: مكثت فيها خمسة عشر سنة، و لمّا كان في رأس ثلاثة عشر منها، أتاني آت في منامي