الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٨٥ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
المذكور مكث بعده أياما و مرض، فقال لتلميذ له: أفصدني و غفل عن ذلك المبضع المسموم، فلم يأت له التّلميذ إلّا به، و لم يشعر بحاله، ففصده به فمات لوقته [١].
ثمّ تولّى الخلافة بعد المنتصر عمّه المستعين باللّه [٢]، فتكدرت أيامه أيضا، و قتله الجند شرّ قتلة، فإنّهم حاصروه في قصره، فلمّا اشتدت عليه المحاصرة نزل مستخفيا، و ركب في سفينة فظفروا به، فحبسوه تسعة أشهر، ثمّ قتلوه.
ثمّ تولّى بعده ولد أخيه المعتز باللّه بن المتوكّل على اللّه، فمكث مدة يسيرة في الخلافة، ثمّ نازعه الجند منازعة شديدة، فطلبوا منه خمسين ألف دينار فأرسل إلى أمّه يطلب منها فلم تسعفه بمطلوبه، فدخل عليه الجند في قصره و سحبوه على وجهه، و أوقفوه في الشّمس، و جعلوا يلطمونه على رأسه، و وجهه و هو يرفع رجلا و يضع أخرى من شدة الحرّ، و قيدوه في ذلك المكان، و منعوه الطّعام، و الشّراب ثلاثة أيام، ثمّ أخذوه، و أدخلوه في سرداب، و بنوا عليه و تركوه حتّى مات.
ثمّ أخذوا أمّه، و سلبوا منزلها، و عذبوها، ثمّ أرسلوها مقيدة إلى السّجن فوجدوا في منزلها ألف ألف دينار عينا، و نصف أردب [٣] من الزّمرد، و نصف أردب من اللّؤلؤ، و ويبة من الياقوت الأحمر الّذي لم ير مثله، فلمّا حمل ذلك إلى نائب الخلافة، قال: قاتلها اللّه عرضت ولدها للقتل بخلا بهذه الأموال، و كان قتله سنة خمس و خمسين و مائتين، و له من العمر أربعة و عشرون سنة [٤].
[١] انظر المصادر السّابقة، و الكنى و الألقاب: ١/ ٣٤٤.
[٢] هو المستعين باللّه: أبو العبّاس أحمد ابن المعتصم ابن الرّشيد ولد سنة (٢٢١ ه) أمّه أمّ ولد. و كان المستعين ضعيفا أمام الأتراك لكنه قتل بعضهم، ثمّ خلعوه و بايعوا المعتزّ، ثمّ قتلوه. راجع تأريخ الخلفاء: ٣٥٨، تأريخ اليعقوبي: ٣/ ٣٠٠، البداية و النّهاية: ١١/ ٥، تأريخ الطّبري: ١١/ ٨٤.
[٣] في تأريخ الطّبري: نصف مكوك.
[٤] انظر، القصة في العبر للذهبي: ٢/ ٩، و تأريخ الطّبري: ٧/ ٥٣١، البداية و النّهاية: ١١/ ٢٢ و ٤٤،-