الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٠ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
قال سهل: فكم أسير فكّت، و كم من مبهم فتحت، و مغلق فرّجت، و أحتجب الرّشيد بعد قدومه فطلبت الأذن عليه، و منت برسائلها إليه، فلم يأذن لها، فلمّا طال ذلك عليها، خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها محتفية في مشيتها حتّى صارت بباب قصر الرّشيد، فلمّا أبصارها الرّشيد، قال: و يحك يا عبد الملك الحاجب! أ فاطمة هي، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أدخلها يا عبد الملك، فربّ كبد كريم غذتها، و كربة فرجتها، و عورة سترتها.
قال سهل: فما شككت يومئذ في النّجاة بطلابها، و إسعافها بحاجتها، فدخلت فلمّا نظر إليها الرّشيد قام محتفيا حتّى تلقاها من باب المجالس، و أكب على تقبيل رأسها، و مواضع ثديها، ثمّ أجلسها معه على فراشه، فقالت: يا أمير المؤمنين أ يعدو علينا الزّمان، و تجفونا الأعوان، و يحردك بنا البهتان، و قد أخذت برضاعك الأمان من الزّمان.
قال لها: و ما ذاك يا أمّ الرّشيد؟ قال سهل: فايسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا بعد ما كان اطمعني من بره بها أوّلا، قالت: ظئرك يحيى، و أبوك بعد أبيك و لا أصفه بأكثر مما تعرفه يا أمير المؤمنين من نصحه، و إشفاقه على أمير المؤمنين، و تعرضه للحتف من أجل موسى أخيه. قال يا أمّ الرّشيد: قدر سبق، و قضاء حتم، و غضب من اللّه نزل، قالت يا أمير المؤمنين: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [١]، ثمّ قالت: الغيب محجوب عن النّبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين، قال سهل: فأطرق الرّشيد مليّا، ثمّ قال:
و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع [٢]
[١] الرّعد: ٣٩.
[٢] ينسب هذا البيت إلى إلى أبي ذؤيب الهذلي، كما جاء في ديوان الهذليين: ١/ ٣، و المفضليات: ٤٢٢،-