الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٢ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
ثمّ قالت: و أذكرك يا أمير المؤمنين بأليتك أن لا أتشفعك إلّا شفعتني، قال:
و أذكرك يا أمّ الرّشيد بأليتك أن لا شفعت لمقترف ذنبا.
قال سهل بن هارون: فلمّا صرح بمنعها، و لاذّ عن مطلبها، أخرجت له حقّا فوضعته بين يديه، فقال الرّشيد: ما هذا! ففتحت عنه قفلا من ذهب، فأخرجت منه قميصه، و ذوائبه، و قد غمس جميع ذلك في المسك، فقالت يا أمير المؤمنين: أتشفّع إليك، و أستعين باللّه عليك، بما صار معي من كريم جسدك، و طيب جوارحك، ليحيى عندك، قال: فأخذ ذلك هارون فلثمه، و أستعبر، و بكى بكاء شديدا، و بكى أهل المجالس، و مر البشير إلى يحيى و هو لا يظن البكاء إلّا رحمة ليحيى و رجوعا عنه، فلمّا أفاق ردّ جميع ذلك إلى الحقة، و قال: ما أحسن ما حفظت الوديعة، قالت: و أهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين، فسكت، و قفل الحق، و دفعه إليها، و قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [١]، فقالت: و قال اللّه تعالى:
وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً [٢]، و قال تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [٣].
قال: و ما ذاك يا أمّ الرّشيد، قالت: ما أقسمت لي به أن لا تححبني، و لا تمتهني، قال: احبّ يا أمّ الرّشيد أن تشترينه محكمة فيه، قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، أوقد تفعل؟ قال: نعم، قالت: برضاك عمن لم يسخطك، قال: يا أمّ الرّشيد أمالي عليك من الحق مثل الّذي لهم، قالت: بلى يا أمير المؤمنين، أنت أعزّ
[١] النّساء: ٥٨.
[٢] النّساء: ٥٨.
[٣] النّحل: ٩١.