الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٣٣ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
ذهبت إلى ما جئت إليه، ثمّ قصد الحسين، فلما رآه الحسين قام إليه، و صافحه إجلالا لصحبته من جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لموضعه من الإسلام، و قال له: ما أتى بك يا أبا الدّرداء! قال: وجهني معاوية خاطبا لابنه يزيد أرينب بنت إسحاق، فرأيت عليّ حقا أن لا أبدأ بشيء قبل السّلام عليك، فشكر له الحسين ذلك، و أثنى عليه، ثمّ قال: لقد كنت أردت نكاحها، و عزمت على الإرسال إليها إذا انقضت إقراؤها فلم يمنعني من ذلك إلّا تخير مثلك، فقد أتى اللّه بك، فأخطب رحمك اللّه لي و لها التّحري من تختاره منا، و هي أمانة في عنقك حتّى تؤديها إليها، و أعطيها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه، فقال: أفعل إن شاء اللّه، فلما دخل عليها قال: أيتها المرأة إنّ اللّه خلق الامور بقدرته، و كونها بعزّته، فجعل لكلّ أمر قدرا، و لكل قدر سببا، فليس لأحد عن قدر اللّه مستخلص، و لا للخروج من عمله مناص، فكان ما سبق لك، و قدّر عليك الّذي كان من فراق عبد اللّه بن سلام إيّاك، و لعل ذلك لا يضرك، و يجعل اللّه فيه خيرا كثيرا، و قد خطبك أمير هذه الأمّة، و ابن مليكها، و ولي عهده، و الخليفة من بعده يزيد بن معاوية، و الحسين ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ابن أوّل من أقرّ به من أمتّه، و سيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، و قد بلغك سناهما، و فضلهما، و جئتك خاطبا لهما، فاختاري أيّهما شئت! فسكتت طويلا، ثمّ قالت يا أبا الدّرداء: لو كان هذا الأمر جاءني، و أنت غائب لا شخصت فيه الرّسل إليك، و أتبعت فيه رأيك، و لم أقتطعه دونك، فأما إذ كنت المرسل فيه، فقد فوّضت أمري بعد اللّه إليك، و جعلته في يديك، فاختر لي أرضاهما لديك، و اللّه شاهد عليك، فاقض في قصدي بالتحري، و لا يصدنك عن ذلك أتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيا، و لست فيما طوقتك غبيا.
قال أبو الدّرداء: أيتها المرأة إنّما عليّ إعلامك، و عليك الاختيار لنفسك، فقالت: عفا اللّه عنك، إنّما أنا بنت أخيك، و من لا غنى به عنك، فلا تمنعك رهبة