الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٦٧ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
فواق بكية [١]، أو نزح ركيّة، ثمّ أنتبه مذعورا، و قال: يا سهل! و اللّه لقد ذهب ملكنا، و ذلّ عزّنا، و أنقضت أيام دولتنا، قلت: و ما ذاك أصالح اللّه الوزير، قال: رأيت كأنّ منشدا ينشدني [٢]:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا* * * أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
فأجبته منشدا من غير روية، و لا إجالة [٣]:
بلى نحن كنّا أهلها فأصابنا [٤]* * * صروف اللّيالي و الجدود العواثر
فو اللّه ما زلت أعرفها فيه، و أراها ظاهرة منه إلى الثّالث من يومه ذلك، فإنّي لفي مقعدي بين يدية أكتب توقيعات في أسافل كتب من طلاب الحوائج، كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا ساعيا إليه حتّى ارتمى مكبّا عليه، فرفع رأسه و قال: مهلا و يحك، ما أكتتم خير، و ما أستتر شرّ، قال: قتل أمير المؤمنين السّاعة جعفرا، قال، أو فعل؟ قال: نعم، فما زاد أن رمى القلم من يده، و قال: هكذا تقوم السّاعة بغتة.
قال سهل بن هارون: فو اللّه لقد انكفأت السّماء على الأرض، و لم يزل يتبرأ
[١] مأخوذة من بكيئة، ثم سهالت الهمزة و ادغمت الياء بالياء، فصارت بكية، و أصلها أبكأت النّاقة و الشّاة بكئها فهي بكيئة إذا قلّ لبنها. انظر، مختار الصّحاح: ١/ ٢٥، لسان العرب: ١/ ٣٤.
[٢] ينسب هذا البيت إلى جرهم بن قحطان بن عامر بن ارفخشد بن سام بن نوح (عليه السّلام)، أنشده بعد أن حضره الموت، و هو الّذي عاش أربعمائة سنة، كما جاء في كنز الفوائد للكراجكي: ٢٥١، فرج المهموم: ١٤١.
[٣] ينسب هذا البيت إلى مضاض بن عمر الجرهمي يتشوق إلى مكّة بعد أن أجلتهم عنها خزاعة، كما جاء في تقريب المعارف: ٢١٣، المعمرون و الوصايا: ٧- ٨، بحار الأنوار: ١٥/ ١٧٣، تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٢٩، البداية و النّهاية: ٢/ ٢٣٤، تأريخ الطّبري: ٢/ ٣٨.
[٤] في بعض المصادر: فأبادنا.