الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٦٩ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
إلى الأمصار، بقبض أموالهم، و غلاتهم، و أمر بجثة جعفر، فعلقت مع رأسه على ثلاثة جذوع، رأسه على رأس الجسر مستقبل الفرات، و بعض جسده بمشرع الجزيرة، و سائر جسده على جذع في آخر الجسر الثّاني مما يلي بغداد، فلمّا دنونا منها طلع الجذع الّذي عليه وجهه، فاستقبلنا بوجهه، و قد استقبلته الشّمس. فو اللّه لخلناها تطلع من بين حاجبيه، و أنا عن يمينه، و عبد الملك بن الفضل عن يساره.
فلمّا نظر إليه الرّشيد، و الرّيح تلعب بشعره، و كان وجهه قد طلى بالنورة أربد وجهه، و شخص بصره، فقال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لا يسعه إلّا عفو أمير المؤمنين، فقال الرّشيد: من يرد غير مائه يصدر بمثل دائه، و من أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته [١]، ثمّ قال: عليّ بالناضحات فنضح عليها حتّى أحرقت من أوّلها إلى آخرها، و هو يقول: لئن ذهب أثرك لقد بقي خبرك، و لئن حطّ قدرك لقد علا ذكرك.
قال سهل بن هارون: ثمّ أمر بضم أموالهم فوجدت عشرين ألف ألف بدرة الّتي كانت مبلغ حبائهما، مكتوب على كلّ بدرة منها صكوك تفسيرها و ما حبوا منها، فما كان منها حباء على غريب، أو منقطع تصدق به، و أثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها.
و كانت أمّ جعفر بن يحيى و هي فاطمة بنت محمّد بن قحطبة أرضعت الرّشيد مع جعفر، و كان ربي في حجرها؛ لأنّ أمّه ماتت و هو في مهده، و كان الرّشيد مظهرا في إكرامها، و التّبرك برأيها، فما استأذنت عليه فحجبها، و لم تشفع إليه إلّا شفعها، إلّا أنّها ما كانت تشفع لأجل دنيا، و ما دخلت عليه إلّا وقف لها مبادرا.
[١] هو مثل لمن تطلّب ما ليس له، فلعله كان أطّلع من جعفر على نيّة الخروج عليه، و الاستبداد بالملك دونه فضرب له هذا المثل.