الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٤ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
قال بعض الهاشميين: «أخبرني عليّ بن إسحاق بن عبد اللّه بن العباس، قال:
كنت اساير الرّشيد يوما و الأمين عن يمينه، و المأمون عن يساره، فاستدعاني و قدمهما أمامه، و سايرته فجعل يحدثني في أمر البرامكة، و أخبرني بما له عليه لهم، و أنّهم أوحشوه من أنفسهم، فقلت: يا أمير المؤمنين! أ لا تعفيني، و لا تدخلني من السّعة إلى الضّيق، فقال الرّشيد: لا إلّا أن تقول، فإنّي لا أتهمك في نصيحة، و لا أخالفك على رأي، و مشورة، فقلت يا أمير المؤمنين: إنّي أرى صنائعك إليهم بما صاروا إليه من النّعمة، و السّعة، و هم لك عبيد ما ينالك أذاهم، فهم لا يصنعون ذلك كلّه إلّا لك.
قال: فإنّ ضياعهم ليس لولدي مثلها، و لا تطيب نفسي لهم بذلك، فقلت يا أمير المؤمنين: إنّ الملك لا يحسد، و لا يحقد، و لا ينعم بنعمة، ثمّ يفسدها، قال:
فرأيته قد كره قولي و زوى وجهه عني، قال إسحاق: فعلمت أنّه سيوقع بهم، فلمّا انصرفنا كتمت الخبر، فلم يسمع به أحد، و تجنبت لقاء يحيى، و البرامكة خوفا أن يظن بي أن أفشي إليهم سرّه، حتّى قتلهم أشد ما كان إكراما لهم، و كان قتلهم بعد ست سنين مضت من تأريخ ذلك اليوم».
و كان يحيى بن خالد بن برمك قد اعتلّ قبل تلك النّازلة الّتي نزلت بهم فبعث إلى منكه الهندي [١]، فقال له: ما ترى في هذه العلة، فقال: داء كبير، و دواؤه جسيم، فقال له يحيى: ربما ثقل على السّمع خطره، فإذا كان كذلك، فإنّ الهجر له ألزم من المفاوضة فيه.
[١] منكه الهندي: طبيب حاذق و ماهر جلبه الرّشيد من الهند لعلاجه من داء فشفي منه، و صاحب يحيى البرمكي فترة زمنية، و له قصة طريفة مع فراجعها في تأريخ الطّبري: ٦/ ٥٣٣، و قد ذكره صاحب كشف الظّنون: ٢/ ١٤٢٥، و ابن النّديم في الفهرست: ٣٦٠.