الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٥ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
قال له منكه: لكني أرى في الطّالع أمرا، و الأمد فيه قريب، و أنت قسيمي في المعرفة، و ربما كانت صورة المنجم ضعيفة لا نجاح لها، و لكن الحزم أوفر حظّ الطّالبين، فقال يحيى: الامور منصرفة إلى العواقب، و ما حتم فلا بد أن يقع، و المنعة بمسالمة الأيام نهزة، فأقصد لما دعوتك له من هذا الأمر الموجود بالمزاج.
قال منكه: هي الصّفراء مازجها مائية من البلغم، فحدث لها بذلك ما يحدث للهيب عند مماسته رطوبة الماء من الاشتعال، فخذ ماء الرّمان فدق فيه إهليلجا أسود يفيدك مجلسا، أو مجلسين، و يسكن ذلك التّوقد إن شاء اللّه تعالى.
فلما كان من أمرهم ما كان، تلطف منكه حتّى دخل عليه الحبس فوجده قاعدا على لبّد، و الفضل بين يديه، فاستعبر و بكى منكه، و قال: قد كنت ناديت لو أسرعت الإجابة، قال يحيى: أتراك قد علمت من ذلك شيئا، قال: كلا، و لكن كان الرّجاء للسلامة في البراءة من الذّنب أغلب، و كانت مزايلة العذر هنا أقل ما ينقص به التّهمة، قال يحيى: فقد كان نعم أرجو أن يكون أوّلها شكرا، و آخرها عدلا، و أجرا.
قال: فما تقول في هذا الأمر، قال منكه: لا أرى له دواء أنجع من الصّبر، و لو كنت تفدى بملك، أو مفارقة عضو كان ذلك مما يجب لك، قال: كف قد شكرت ما ذكرت، فإذا أمكنك بأن تعاهده فأفعل، قال منكه: لو أمكنني طلوع الرّوح عندك ما بخلت به، إذا كانت الأيام لا تحسن إلّا بكم.
و يحكى أنّ الرّشيد كان لا يمر ببلد، و لا إقليم فيسأل عن قرية، أو مزرعة، أو بستان، إلّا قيل هذا لجعفر، و كان يتهم بالزندقة، و كان مصاحبا لأنس [١]، و كان
[١] أنس هذا هو بن أبي شيخ كاتب البرامكة سنة ١٨٧ ه، ذكر قصته الطّبري في تأريخه: ٦/ ٤٩٢ و: ١٠/ ٨٦ طبعة أخرى، مواقف الشّيعة للأحمدي: ٢/ ٤٦٧، سير أعلام النّبلاء: ٩/ ٦٧.