الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٣٤٠ - الثّامن من الأئمة عليّ الرّضا
- أمّا الإجابة على التّساؤلات بعد عرض آراء المؤرّخين فنقول: إنّ المأمون كان قد برع في العلوم و الفنون و لذا قال الدّميري في حياة الحيوان: ١/ ٧٢: لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون. و قال عنه ابن النّديم في الفهرست: ١٧٤ بأنّه أعلم الخلفاء بالفقه و الكلام. و قال عنه فريد وجدي في دائرة المعارف الإسلامية: ١/ ٦٢٠ بأنّه لم يل الخلافة بعد الخلفاء الرّاشدين أكفأ منه. و قد ورد في مناقب آل أبي طالب: ٢/ ٢٧٦ رواية عن الإمام الرّضا (عليه السّلام)، و هو يصف خلفاء بني العبّاس «سابعهم أعلمهم» و وصفوه بأنّه داهية بني العبّاس. كما ذكر ابن عبد ربّه في العقد الفريد: ١/ ١٢٣، و الجهشياري في الوزراء و الكتّاب: ٣١١ أنّه يقتل الفضل و يبكي عليه و يقتل قتلته، و يقتل الإمام الرّضا، ثمّ يبكي عليه، و يقتل طاهرا و يولي أبناءه مكانه، و يقتل أخاه و يوهم أنّ الذّنب في ذلك على الفضل و طاهر، و هذا ممّا يدلّ على دهائه، و حنكته، و سياسته.
و نحن نميل إلى الرّأي الّذي يقول إنّ إقدام المأمون على البيعة لعليّ الرّضا بولاية العهد و نقله بذلك الخلافة من البيت العبّاسي إلى البيت العلوي كان بدوافع سياسية، إذ أراد تدعيم خلافته و تجنّب قيام المزيد من الحركات الشّيعية في وجهه، كما أراد إرضاء أهل خراسان، و لذا أتخذ مرو بخراسان مركزا لخلافته، لأنّه تولّى الخلافة في فترة قلقة حرجة سادت فيها الاضطرابات و القلاقل في إرجاء الدّولة و بدأت هذه الفترة عند ما جعل الرّشيد ولاية العهد لابنه الأمين سنة (١٧٣ ه) فقدّمه على المأمون رغم صغر سنة. و قد ندم الرّشيد على ذلك في أواخر عهده كما يقول ابن الأثير في الكامل: ٦/ ٧٥ و أبو المحاسن في النّجوم الزّاهرة: ٢/ ١٣٨. و لذا في سنة (١٨٣ ه) بايع الرّشيد لابنه المأمون و ولّاه من حدّ همدان إلى آخر الشّرق، و قد عبّر عن هذا النّدم بقوله للاصمعي- كما ورد في مروج الذّهب للمسعودي: ٣/ ٣٦٣-: قد عنيت بتصحيح هذا العهد و تصييره إلى من أرضى سيرته ...
و لم يقتصر الرّشيد في تولية العهد لابنيه الأمين، و المأمون بل تعدّى الأمر إلى ابنه القاسم الّذي ولّاه عهده بعد الأمين، و المأمون، و سمّاه المؤتمن و ولّاه الجزيرة، و الثّغور و العواصم. و هكذا قسّم الرّشيد الدّولة العبّاسية و هيّأ بذلك عوامل المنافسة، و الحسد بين هؤلاء الإخوة و غرس بذور الفتنة كما يذكر ذلك الطّبري في تأريخه: ٦/ ٦٠٣، و المسعودي في المروج: ٣/ ٣٦٤.
و من هذا و ذاك يتضح أنّ المأمون أراد أن يأمن الخطر الّذي يتهدّده من قبل تلك الشّخصية الفذّة و حتّى لا ينظر النّاس إلى أية بادرة عدائية منه لنظام الحكم القائم إلّا على أنّها نكران للجميل. و قد أشار المأمون إلى ذلك حيث صرّح بأنّه خشي أن يترك الإمام على حاله أن ينفتق عليه منه ما لا يسدّه و يأتي-