الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٣٨١ - الباب السّادس في شيء من غرر الكلام الّتي تحلت بها منهم جباه اللّيالي، و الأيام
الباب السّادس في شيء من غرر الكلام الّتي تحلت بها منهم جباه اللّيالي، و الأيام
قال الإمام عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه حين كتب إليه معاوية رضى اللّه عنه: «يا أبا الحسن إنّ لي فضائل كثيرة، كان أبي سيّدا في الجاهلية، و صرت ملكا في الإسلام، و أنا صهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و خال المؤمنين [١]، و كاتب الوحي» [٢]، فقال عليّ رضى اللّه عنه: (أ يفتخر
[١] لأنّه أخو أمّ حبيبة زوجته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، الّتي هي إحدى امّهات المؤمنين. و حبيبة: هي رملة أو هند بنت أبي سفيان بن حرب الاموية، و أمّها: صفية بنت أبي العاص بن أميّة، و كانت تحت عبيد اللّه بن جحش الأسدي، فتنصّر، و هلك بأرض الحبشة، و هي الّتي شوت كبشا، و بعثت به إلى عائشة تشفّيا بقتل محمّد بطلب دم عثمان، فقالت عائشة: قاتل اللّه ابنة العاهرة، و اللّه لا أكلت شواء أبدا. انظر، تذكرة خواصّ الأمّة: ١١٤ طبعة النّجف، التّمهيد و البيان: ٢٠٩، الأغاني: ٢١/ ٩، الاشتقاق: ٣٧١، تأريخ الطّبري: ٤/ ٥٠، و الإصابة (قسم النّساء)، الرّوض الانف: ٢/ ٢٦٨، وقعة صفين: ٥٤١، شرح النّهج لابن أبي الحديد: ٢/ ٢٥٢، الإصابة حرف الميم: ٣ ق ٢/ ٤٥١ طبعة أخرى، الاستيعاب: ٣/ ٣٢٨، الفتوح لابن أعثم: ١/ ٤٧٢ و ما بعدها، الإمامة و السّياسة لابن قتيبة: ١/ ٥٥، و ما بعدها، تهذيب الكمال: ٢٤/ ٥٤١ الرّقم ٥٠٩٧، شرح النّهج لابن أبي الحديد: ٣/ ١٩٠، و الإصابة: ٤/ ٢٩٨ طبعة أخرى، المعارف: ١٣٦.
و هذا اللّقب خال المؤمنين ليس بصحيح، و ذلك لأنّه لم يرد في سنة صحيحة، أو أثر، و إذا سلمنا فكيف لا يكون محمّد بن أبي بكر الّذي كان أخا لعائشة، و الّتي هي عندهم أعظم زوجات النّبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل هي أفضل عندهم من أمّ حبيبة بكثير، بل لا مقايسة بينهما، فلما ذا لا يسمى بخال المؤمنين؟ و كيف لم يسموا عبد اللّه بن عمر بخال المؤمنين، و قد كان هو أخا لحفصة بنت عمر بن الخطاب و لم نسمع من سماه بخال المؤمنين؟
و على هذا يكون أيضا حيي بن أخطب اليهودي جدّ المؤمنين لأنّه والد السّيّدة صفيّة- زوج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- بنت حيي بن اخطب النّضيريّ بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النّضير بن النّحام بن ينحوم، من سبط هارون. و هي القائلة له (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الّذي توفي فيه: إنّي و اللّه يا نبيّ اللّه لوددت أن الّذي بك بي! فغمزن أزواجه ببصرهنّ، فقال: مضمضن، فقلن: من أيّ شيء؟
فقال: من تغامزكنّ بها، و اللّه إنّها لصادقة. و توفيت سنة ست و ثلاثين. (اسد الغابة: ٧/ ١٦٩، المعارف: ١٣٨، الطّبقات: ٨/ ٨٦) و هو ليس كذلك؟
[٢] معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس، و أمّه هند بنت عتبة بن ربيعة، تزوّجت هند أوّلا الفاكه بن المغيرة المخزومي فقتل عنها بالغميصاء- كما جاء في نسب قريش: ٣٠٠- موضع قرب مكة، ثمّ تزوّجت حفص بن المغيرة فمات عنها، ثمّ تزوّجت أبا سفيان. و كانت في زمن الفاكه متهمة بالزنا كما يذكر صاحب العقد الفريد: ٦/ ٨٦- ٨٧، و الأغاني: ٩/ ٥٣، و كانت ممّن تذكر في مكّة بفجور، و عهر، كما ذكر ابن أبي الحديد في شرح النّهج: ١/ ٢٣٦ تحقيق محمّد أبو الفضل.
دخل أبو سفيان في الإسلام، غير أنّ المسلمين لم ينسوا مواقفه منهم فكانوا لا ينظرون إليه، و لا يقاعدونه كما جاء في صحيح مسلم: ٧/ ١٧١ و هو القائل: يا بني أميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الّذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة ... ذكر ذلك صاحب مروج الذّهب بهامش ابن الأثير: ٥/ ١٦٥- ١٦٦. و أضاف صاحب كتاب الأغاني: ٦/ ٣٥٥ و الاستيعاب:
٦٩٠، و النّزاع و التّخاصم للمقريزي: ٢٠ طبعة النّجف، و غيرهم قوله: فو اللّه ما من جنّة و لا نار، فصاح به عثمان: «قم عنّي، فعل اللّه بك و فعل».
و معاوية هذا أسلم بعد الفتح، و قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا أشبع اللّه بطنه. كما ذكره صاحب أنساب الأشراف: ١/ ٥٣٢، و صحيح مسلم: ٨/ ٢٧، و شرح النّهج لابن أبي الحديد: ١/ ٣٦٥، و مسند الطّيالسي: ح ٢٧٤٦، و ابن كثير: ٨/ ١١٩ و قال فيه (صلّى اللّه عليه و آله): في قصة زواج المهاجرة الّتي استشارت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عند ما خطبها: أمّا معاوية فصعلوك. كما جاء في صحيح مسلم: ٤/ ١٩٥، مسند الطّيالسي:
٢٢٨/ ١٦٤٥، و سنن ابن ماجه: ح ١٨٦٩. و قال فيه (صلّى اللّه عليه و آله) عند ما نظر إلى أبي سفيان و هو راكب، و معاوية و أخوه أحدهما قائد و الآخر سائق: اللّهمّ العن القائد و السّائق و الرّاكب. ذكر ذلك الطّبري في تأريخه: ١١/ ٣٥٧، و سبط بن الجوزي في التّذكرة: ١١٥، و وقعة صفّين: ٢٤٧، و الزّبير بن بكّار في المفاخرات برواية ابن أبي الحديد عنه في شرح النّهج: ٢/ ١٠٣.
و لسنا بصدد بيان كلّ ما قاله (صلّى اللّه عليه و آله) فيه و في اسرته كالحكم بن أبي العاص، و عاقبة بن أبي معيط و غيرهما و نكتفي برواية الطّبري من حوادث سنة (٥١ ه)، و الكامل لابن الأثير: ٢٠٢- ٢٠٩، و ابن عساكر: ٢/ ٣٧٩، و الشّيخ محمود أبو ريه: ١٨٤- ١٨٥ ما نقلوه عن الحسن البصري إنّه كان يقول:
أربع خصال كنّ في معاوية و لو لم يكن فيه منهنّ إلّا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة و فيهم بقايا و ذوو الفضيلة، و استخلافه ابنه بعده سكّيرا خميرا يلبس الحرير، و يضرب الطّنابير، و أدعياؤه زيادا، و قد قال رسول اللّه: الولد للفراش و للعاهر الحجر، و قتله حجرا و أصحابه، ويل له من حجر و أصحابه، ويل له من حجر و أصحابه. و من أراد المزيد فليراجع الطّبري: ٤/ ٢٠٢، و النّبلاء: ١/ ٢٣٧، و مسند أحمد: ٤/ ٤٢١، و وقعة صفّين لنصر بن مزاحم: ٢٤٦، و المعجم الكبير للطبراني: ١/ ٤٢٧، و العقد الفريد: ٤/ ٣٤٥، و الطّبري: ١١/ ٣٥٧، و الإستيعاب: ٤١٢، و اسد الغابة: ٣/ ١٠٦، و تهذيب ابن عساكر: ٧/ ٢٠٦، و الإصابة: ٢/ ٢٦٠، و الطّبقات الكبرى: ٤/ ٢٢٢، و صفوة الصّفوة: ١/ ٢٣٨، و سيرة ابن هشام: ٤/ ١٧٩.
و من الثّابت تأريخيا أنّ الرّسول استكتبه على الصّدقات، بل قال صاحب شرح النّهج ابن أبي الحديد: ١/ ١١٢، «أنّ حنظلة بن الرّبيع التّيمي، و معاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له- لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الملوك، و إلى رؤساء القبائل، و يكتبان حوائجه بين يديه ...» و الذّهبي في السّير: ٣/ ١٢٣.