الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٧٦ - الباب الأوّل في نبذة من فضائلهم، و قطرة من شمائلهم
قال بن حجر في الصّواعق: «سمّى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) القرآن، و العترة ثقلين؛ لأنّ الثّقل كلّ نفس خطير ممنون به، و هذان كذلك إذ كلّ منهما معدن للعلوم الدّينية، و الأسرار العقلية الشّرعية؛ و لهذا حثّ على الاقتداء، و التّمسك بهما» [١].
- متوهم أنّ اللّه تعالى قد جعل لعليّ الشّركة في النّبوّة. و اننا نعلم أنّ الإمامة موقوفة على تنصيص اللّه سبحانه و تعالى كما أنّ النّبوّة موقوفة على تنصيص الباري عزّ و جلّ.
كما أنّ الأمر بالتبليغ جاء فيه تهديد: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ و إعلامه (صلّى اللّه عليه و آله) و إعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمّية بحيث إذا لم يصل الحكم، و حاشا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يبلّغ ما أمره اللّه سبحانه و تعالى، أمّا قوله تعالى: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ لفظ النّاس اعتبارا بسواد الأفراد الّذي فيه المؤمن و المنافق و الّذي في قلبه مرض، فالعصمة هنا بمعنى الحفظ و الوقاية من شرّ هؤلاء.
و بالتالي فالمعنى يكون: من كنت متقلّدا لأمره و قائما به فعليّ متقلّد أمره و القائم به، و هذا صريح في زعامة الأمة و إمامتها و ولايتها، و ثبت لعليّ ما ثبت لرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من الولاية العامّة و الزّعامة و التّصدّي لشأن من شئون الغير، و هي في قبال العداوة و هي التّجاوز و التعدّي على الغير و التصرّف في شئون الغير مطلقا، و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ التّوبة: ٧١، و قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ البقرة: ٢٥٧.
و تبقى شنشنة ابن تيمية و أصحابه بأنه دعاء، و دعاء النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) مستجاب، و هذا الدّعاء ليس بمستجاب، فالنتيجة أنّه ليس دعاء من قبل النّبي (صلّى اللّه عليه و آله).
و الجواب أيضا من أوضح الواضحات؛ لأنّ الأمة مجمعة على أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد قتل عثمان لم تحصل له الإمامة بنصّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتناول تلك الفترة الزّمنية و الاختصاص بها دون ما تقدّمها من الزّمن، بل إنّ الولاية كانت له قبل ذلك، فولايته عامّة كما كانت ولاية النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عامّة و يدلّ على ذلك كلمة «من» الموصولة، و لذا نجد ابن خالدون يقفز و لم يشر إليها على الرّغم من أنه ذكر كلّ ما حدث في حجّة الوداع، و لكن قفزه هذا دليل على نظريته حول الإمامة و التّأريخ، فإذا أورد الحديث فإنّ ذلك يناقض نظريته حول الإمامة الّتي يرى فيها أمرا دنيويا يقوم على مصالح النّاس و لا مدخلية للنصّ فيها. و ادّعى بأنّ الحديث لم ينقله البخاري، و مسلم، و الواقدي و لكن ابن تيمية و أمثاله يعرفون حقّ المعرفة أنّ عدم النّقل لا يدلّ على القدح في الحديث.
[١] انظر، الصّواعق المحرقة: ١٤٩ و ٢٣٠، المغني لابن قدامة: ١/ ٥٧٩، المحلى: ٣/ ٢٧٢، المجموع-