الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٨ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
أصبحت، فقال: يا بني أو ما شغلك شدّة البرد في هذه اللّيلة عن ذلك، قال: يا أبت لما كان فيه قضاء وطرك، وجدته سهلا، و لم أجد فيه تعبا و أين السّبيل يا أبت إلى شهوة لك فأقضيها بروحي، و كان الفضل بارا بأبيه قبل السّجن، و فيه.
و من عجيب ما يؤرخ، أنّه قيل ليحيى بن خالد في أيام دولته، أيّها الوزير أخبرنا بأعجب ما رأيت في أيام سعادتك، و إقبالك، فقال: ركبت يوما من بعض الأيام في سفينة اريد التّنزه، فلما صعدت وضعت يدي على لوح من ألواحها فطار فصّ خاتمي من يدي، و كان ياقوتا أحمر قيمته ألف مثقال من الذّهب فاغتممت، و تطيّرت من ذلك، فلما عدت إلى منزلي، و أحضر الطّباخ إليّ الغداء أتاني بذلك الفصّ بعينه، و قال: أيّها الوزير شريت حيتانا للطبخ، فشققت حوتا منها فرأيت هذا الفصّ، فقلت لا يصالح إلّا للوزير، فأخذته، و علمت أنّ الدّهر مقبل، فقيل له:
أخبرنا ببعض ما لقيت في أيام الأدبار، فقال: اشتهيت قدر سكباج [١]، و أنا بالسجن، فغرمت ألف دينار رشوة، فقطع اللّحم، و جعل في قصبة فارسية، و الخل سائل في قصبة أخرى، فتركوا عندي جميع ما أحتاج إليه و أوقدوا لي تحت القدر، و نفخت أنا و لحيتي في الأرض حتّى كادت روحي تخرج، فلما نضجت تركتها تفور، و تفرق، و فتّت الخبز، و عمدت لأنزلها، فانقلب من يدي، و انكسر القدر على الأرض، فبقيت ألتقط اللّحم، و أمسح منه التّراب، و آكله، و ذهب المرق الّذي كنت بشهوته، فهذا أعظم ما مرّ بي.
و لما صلب جعفر على الجسر، وقفت امرأة و قالت: و اللّه لئن صرت اليوم آية فلقد كنت في الكرم غاية، و أنشأت [٢]:
[١] السكباج: بالكسر، هو الغذاء الّذي فيه لحم و يطبخ بالخل. انظر، تاج العروس: ٢/ ٥٩.
[٢] انظر، القصة في كتاب الفرج بعد الشّدة: ٢/ ٢٢٣، و فيه قصة طريقة وقعت مع المأمون العباسي، و في-