الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٩ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
و لما رأيت السّيف جلل [١] جعفرا* * * و نادى مناد للخليفة يا يحيى
بكيت على الدّنيا و أيقنت إنّما* * * قصارى الفتى يوما مفارقة الدّنيا
و ما هي إلّا دولة بعد دولة* * * تخوّل ذا نعمى و تعقب ذا بلوى
إذا أنزلت هذا منازل رفعة* * * من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى
ثمّ حركت حمارها فكأنّها ريح لا أثر لها و لا يعرف أين ذهبت. قيل: أنّ الأبيات هذه للعباس بن الأحنف.
و روى الخطيب أنّ أبا يزيد الرّياحي، قال: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكر في زوال ملكه، و أنظر إلى حالته الّتي صار إليها، إذ أقبلت امرأة راكبة لها رواء و هيئة، فوقفت على جعفر فبكت، فأحرقت، و تكلمات فأبلغت، فقالت: أما و اللّه لئن أصبحت للناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، و لئن زال ملكك، و خانك دهرك، و لم يطل به عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، النّاعم بالا، يحسن بك الملك، و ينفس بك الهلك، و لئن صرت إلى حالتك هذه، فلقد كنت الملك بحقه، في جلالته و نطقه، فاستعظم النّاس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل اللّه الصّبر على عظم المصيبة، و جليل الرّزية الّتي لا تستعاض بغيرك، و السّلام عليك وداع غير قال، و لا ناس لذكراك، ثمّ قالت [٢]:
العيش بعدك مرّ غير محبوب* * * و مذّ صلبت و مقنا كلّ مصلوب
أرجو لك اللّه بالإحسان إن له* * * فضلا علينا و عفوا غير محسوب
- تأريخ بغداد: ٧/ ١٧٠، البداية و النّهاية: ١٠/ ٢٠٧، الوفيات لابن خلكان: ١/ ٣٤٠ و لكن نسبها إلى دعبل الخزاعي، الكنى و الألقاب: ٢/ ٤٣٤، و لكن نسبها للعباس بن الأحنف.
[١] في كتاب الفرج بعد الشّدة: جندل.
[٢] انظر، القصة و الأبيات الشّعرية في تأريخ الخطيب البغدادي: ٧/ ١٠٧.