الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٦٤ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
فقلت: بل، لعن اللّه وزراءك، فقال: لا تقل ذلك؟ فإنّ الذّنب لي في أكثر ذلك، فبينا نحن كذلك فتح الباب علينا رجل و دخل، فنظر في وجه الأمين و انصرف، فإذا هو محمّد بن حميد، فلمّا انتصف اللّيل دخل علينا قوم من العجم في أيديهم السّيوف، فقال: إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون ذهبت نفسي، أ ما من حيلة، أ ما من مغيث، ثمّ أخذ و سادة فتترس بها، فضربه مولى لطاهر ضربة بسيف فوقعت في مقدم رأسه، و ضرب هو ضاربه بالوسادة الّتي كانت بيده ضربة ألقاه منها على ظهره، و برك عليه ليأخذ منه السّيف، فصاح من تحته بالفارسية قتلني، فهجم عليه الباقون، فاعتورته سيوفهم، و حزوا رأسه، و حملوه إلى طاهر، فأخذه طاهر و وجه به إلى المأمون، و كتب له: قد وجهت إليك بالدّنيا و الآخرة، فلمّا وضع الرّأس بين يديه، بكى، فقال له الفضل بن سهل [١]: أحمد اللّه يا أمير المؤمنين بأنّه أراكه في حالة كان يحبّ أن يراك فيها، فقال: أنا و محمّد كما قال قيس بن زهير في بني بدر [٢]:
[١] هو الفضل بن سهل ذو الرّئاستين، وزير المأمون، و مدبّر اموره، لقّب بذي الرّئاستين؛ لأنّه قلد الوزارة، و السّيف جميعا، كان مجوسيا فأسلم على يدي المأمون سنة (١٩٠ ه) أو يدي يحيى بن خالد البرمكي، و كان من صنائع آل برمك، كان عالما فاضلا، و من أعلم النّاس بعلم النّجوم، و كان يتشيّع و هو الّذي أشار على المأمون بولاية العهد لأبي الحسن الرّضا، فلمّا ندم المأمون على ولاية العهد ثقل عليه أمر الفضل و احتال عليه، خرج من مرو منصرفا إلى العراق و دسّ عليه حتّى قتله غالب السّعودي الأسود مع جماعة في حمّام سرخس سنة (٢٠٣ ه) و روى الصّدوق أخبارا في ذمّه، و أنّه كان معاندا للرضا، و أخوه أبو محمّد الحسن بن سهل هو الّذي حاصر بغداد بمشاركة طاهر بن الحسين ذي اليمينين، و قتل الأمين محمّد بن الزّبيدة المخلوع سنة (١٩٨ ه). توفي سنة (٢٣٦ ه) و بنته بوران تزوّجها المأمون.
[٢] هو قيس بن زهير بن جذمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث كما ذكره اليعقوبي في تأريخه: ١/ ٢٦٧، السّيرة لابن هشام: ١/ ٣٠٦، و البيت ذكره صاحب الإصابة: ٥/ ٤١٨، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٧/ ١٠٩، و السّيّد المرتضى في أماليه: ١/ ١٥٤، و صاحب البحار: ٣٣/ ٧٣ و لكن بلفظ:
شفيت النّفس من حمل بن بدر* * * و سيفي من حذيفة قد شفاني