الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٥ - الباب الأوّل في نبذة من فضائلهم، و قطرة من شمائلهم
- حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ ... أي نحضرهم في حال المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نلتعن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أي منّا و منكم.
و كان سبب نزول هذه المباهلة، و ما قبلها من أوّل السّورة إلى هنا في وفد نجران. إنّ النّصارى لمّا قدموا فجعلوا يحاجّون في عيسى، و يزعمون فيه ما يزعمون من النّبوّة، و الإلهية، فأنزل اللّه صدر هذه السّورة ردّا عليهم.
و قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وفد نجران ستّون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، و هم: العاقب و اسمه عبد المسيح، و السّيّد و هو الأيهم، و أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، و اويس بن الحارث، و زيد، و قيس، و يزيد و ابناه، و خويلد، و عمرو، و خالد، و عبد اللّه، و محسن.
و أمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم، و هم: العاقب. و كان أمير القوم و ذا رأيهم و صاحب مشورتهم، و الّذي لا يصدرون إلّا عن رأيه، و السّيّد و كان عالمهم و صاحب رحلهم و مجتمعهم، و أبو حارثة بن علقمة و كان أسقفهم و صاحب مدارستهم، و كان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل و لكنّه تنصّر، فعظّمته الرّوم و ملوكها و شرّفوه، و بنوا له الكنائس و أخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم. و قد كان يعرف أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صفته و شأنه ممّا علمه من الكتاب المتقدّمة، و لكن حمله ذلك على الاستمرار في النّصرانيّة لما يرى من تعظيمه فيها، و جاهه عند أهلها.
قال ابن إسحاق: و حدّثني محمّد بن جعفر بن الزّبير قال: قدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلّى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب و أرديه. في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال: يقول من رآهم من أصحاب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، و قد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): دعوهم. فصلّوا إلى المشرق. قال:
فكلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منهم أبو حارثة بن علقمة، و العاقب عبد المسيح، و السّيّد الأيهم، و هم من النّصرانيّة على دين الملك مع إختلاف أمرهم، يقولون: هو اللّه، و يقولون: هو ولد اللّه، و يقولون: هو ثالث ثلاثة. تعالى اللّه عن قولهم علوّا كبيرا.
و كذلك النّصرانية، فهم يحتجّون في قولهم هو اللّه، بأنّه كان يحيى الموتى، و يبرئ الأكمة، و الأبرص، و الأسقام، و يخبر بالغيوب، و يخلق من الطّين كهيئة الطّير فينفخ فيه فيكون طيرا. و ذلك كلّه بأمر اللّه و ليجعله آية للناس. و يحتجّون في قولهم بأنّه ابن اللّه، و يقولون: لم يكن له أب يعلم. و قد تكلّم في المهد بشيء لم يكن أحد من بني آدم قبله. و يحتجّون على قولهم بأنّه ثالث ثلاثة، بقول اللّه-