الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٣٥٣ - التّاسع من الأئمة محمّد الجواد
- فتحيّر يحيى بن أكثم، و بان في وجهه العجز، و الانقطاع، و لجلج حتّى عرف جماعة أهل المجالس أمره، فقال المأمون: الحمد للّه على هذه النعمة و التوفيق لي في الرأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته، و قال لهم:
أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟
ثمّ أقبل على أبي جعفر (عليه السّلام) فقال له: أ تخطب يا أبا جعفر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك فقد رضيتك لنفسي، و أنا مزوّجك أمّ الفضل ابنتي و إن رغم قوم لذلك.
فقال أبو جعفر (عليه السّلام): الحمد للّه إقرارا بنعمته، و لا إله إلّا اللّه إخلاصا لوحدانيته، و صلّى اللّه على محمّد سيّد بريّته و الأصفياء من عترته.
أمّا بعد، فقد كان من فضل اللّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، ثمّ إنّ محمّد بن علي بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون، و قد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد (عليهما السّلام) و هو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟
قال المأمون: نعم، قد زوّجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على هذا الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟
قال أبو جعفر (عليه السّلام) قد قبلت ذلك و رضيت به.
فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصّة و العامّة.
قال الرّيان: و لم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه أصوات الملّاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من فضّة مشدودة بالحبال من الإبريسم على عجل مملوءة من الفالية، فأمر المأمون أن تخضب لحى لخاصه من تلك الغالية، ثمّ مدّت إلى دار العامّة فطيّبوا منها، و وضعت الموائد فأكل الناس، و خرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم، فلمّا تفرّق الناس و بقي من الخاصّة من بقي قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه، و نستفيده.
فقال أبو جعفر (عليه السّلام): نعم، إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحلّ و كان الصيد من ذوات الطير و كان كبارها فعليه شاة، فإن كان أصحابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، و إذا قتل فرخا في الحلّ فعليه حمل فد-